" إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ " (ص:71).
هذه الحقيقة القرآنية جاءت في الخمس الأخير من سورة ص , وهي سورة مكية وعدد آياتها (88) بعد البسملة , ويدور محورها الرئيسي حول ركائز العقيدة الإسلامية , وفي مقدمتها توحيد الله الخالق (سبحانه وتعالى) , وتنزيهه عن جميع صفات خلقه , وعن كل وصف لا يليق بجلاله .
وتبدأ هذه السورة الكريمة بالحرف الهجائي المفرد (ص) والذي سميت باسمه السورة, وهذه المقطعات من الحروف الهجائية التي استفتحت بها تسع وعشرون سورة من سور القرآن الكريم عرفت باسم الفواتح الهجائية, وقيل فيها إنها إما رموز إلى كلمات أو معان أو أعداد في صلب السورة , أو أنها أسماء للسور التي جاءت في مطالعها , أو هي أسلوب من أساليب تحدي العرب , وهم في قمة من قمم الفصاحة والبلاغة وحسن البيان ـ أن يأتوا بقرآن مثله ـ وقد نزل بلغتهم ـ أو أن يأتوا بعشر سور مفتريات من مثله , أو حتى بسورة واحدة من مثله , ولا يزال هذا التحدي قائما دون أن يستطيع عاقل أن يتقدم ليقول إنه استطاع كتابة سورة من مثل سور القرآن الكريم .
كذلك قيل في هذه المقطعات إنها وسيلة من وسائل قرع الأسماع وإيقاظ العقول والقلوب لتلقي كلام الله (تعالى). وقيل فيها إنها من الأدلة على صدق رسول الله (صلى الله علىه وسلم) لنطقه بأسماء الحروف ـ وهو الأمي ـ والأمي ينطق بأصوات الحروف ولا يعرف أسماءها , وقيل فيها إنها تشمل ذلك كله , وغيره مما لا يعلمه إلا الله (تعالى) .
وبعد هذا الاستفتاح يقسم ربنا (تبارك اسمه) ـ وهو الغني عن القسم ـ بـ" الْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ " أي ذي الشرف الرفيع والمكانة السامقة , والذي فيه كل حق وذكر وموعظة , وكل ما يحتاجه الإنسان من أمور الدين, ويأتي جواب القسم بقول الله(عز من قائل) : " بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ . كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَ لاَ تَ حِينَ مَنَاصٍ . وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ . أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ . وَانطَلَقَ المَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ . مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ . أَأُنزِلَ علىهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَل لَّمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ .أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهَّابِ . أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ . جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الأَحْزَابِ " (ص:2-11) , وتشير هذه الآيات الكريمة إلى أن الكفار والمشركين ـ في القديم والحديث وإلى يوم الدين ـ هم دوما في استكبار على اتباع الحق, وفي محاربة لأهله, دون اعتبار بهلاك الكافرين والمشركين والمتشككين من قبلهم , وهم دوما في إصرار على الكفر بالله أو الشرك به (سبحانه) , وعلى التشكيك في بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين (صلى الله علىه وسلم) , وفي القرآن الكريم , وفي حقائق الدين الخاتم : ومنها البعث والحساب والجنة والنار , إلى حد استعجال عذاب الآخرة في الدنيا قبل يوم الحساب , وهم بعد لم يذوقوا ألوان هذا العذاب , ولو ذاقوا طرفا منه ـ وهم حتما ذائقوه إن شاء الله تعالى ـ ما تطاولوا هذا التطاول الكاذب وهم ليسوا من الله(تعالى) ببعيد ..
وهذه الصورة من صور فجر الكافرين في محاربتهم للحق مستمرة عبر التاريخ حتى يوم الدين, ومن صور استكبارهم, وغفلتهم, وتعنتهم المعاصرة ما تبثه بعض الفضائيات المأجورة اليوم باسم الدين ـ والدين منها براء وهي في الحقيقة ليست إلا أبواقا للكفر والشرك والضلال " وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ " (يوسف:21) .
وفي الرد على كفار قريش ,(وعلى أمثالهم في كل زمان ومكان) تسأل الآيات في سورة ص هذا السؤال التوبيخي التقريعي فتقول : هل عند هؤلاء الضالين خزائن رحمة رب العالمين العزيز الوهاب؟ أم هل لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما وهم لا يملكون أنفاسهم؟.
وفي استعراض لنماذج من هؤلاء المكذبين بالدين في القديم وما لقوه من عذاب أليم في الدنيا قبل الآخرة جاء ذكر كل من قوم نوح , وقوم لوط , وعاد , وفرعون , وثمود , وأصحاب الأيكة ليعتبر أهل الكفر والشرك والضلال من المعاصرين وممن سوف يأتون من بعدهم إلى يوم الدين..!!.
وفي هذا السياق أيضا جاء ذكر عدد من أنبياء الله (تعالى) منهم: آدم , وإبراهيم , وإسماعيل وإسحق , ويعقوب , واليسع , وذو الكفل , وداود , وسليمان , وأيوب (على نبينا وعلىهم من الله السلام) .
ثم استعرضت الآيات جانبا بما أغدق الله (سبحانه وتعالى) به من فضل على كل من عبديه داود وسليمان , وما أصاب كلا منهما من شئ من الضعف البشري , وما تدارك كلا منهما من رحمة الله (تعالى) حتى استغفر وتاب وأناب إلى خالقه , وما كان من قبول الله (تعالى) لتوبة كل منهما وإنابته ويبدو أن الحكمة من كل ذلك هي الا يفتن احد من الخلق بما وهبهما الله (سبحانه) من نعم غير عادية فيشرك بهما مع الله (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) أو يعبدهما من دونه كما فعل الكثيرون من الضالين في القديم والحديث ولا يزالون يفعلون , ثم يتطاولون على أهل التوحيد الخالص , والإيمان الصادق كما تتطاول الجرذان المذعورة المستترة خلف بعض فضائيات الضلال .
وجاءت قصة نبي الله داود (على نبينا وعلىه السلام) تجسيدا لابتلاء الله (تعالى) للصالحين من عباده , وتطهيرا لهم وتكفيرا عن خطاياهم مهما كانت قليلة , وتزكية لنفوسهم , ورفعا لدرجاتهم عند ربهم , ونموذجا لصبر الأنبياء على البلاء حتى يكشفه رب العالمين , ويقتدي بهم الأمثل فالأمثل من عباد الله الصالحين .
وجاء هذا القصص تثبيتا لخاتم الأنبياء والمرسلين (صلى الله وسلم وبارك علىه وعلىهم أجمعين) وللمؤمنين به في كل زمان ومكان, في وجه ما لقيه (صلى الله علىه وسلم) ويلقونه من تكذيب الكفار والمشركين , والملاحدة الساقطين , والظلمة المتجبرين في كل أرض , وفي كل حين , كما جاء هذا القصص تأكيدا له(صلى الله علىه وسلم) وللمؤمنين به من بعده أن النصر مع الصبر , وأن التمكين في الأرض , والرعاية , والتوفيق , والفضل كله من الله (تعالى) الذي تعهد بنصرة عباده المؤمنين .
وتعاود الآيات في سورة ص تعظيم القرآن الكريم بوصف الحق (تبارك وتعالى) له موجها الخطاب إلى خاتم أنبيائه ورسله (صلى الله عليه وسلم) فيقول (عز من قائل) :
" كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إليكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ " (ص:29) .
ثم تصور هذه السورة المباركة مشهدا من مشاهد الآخرة وفيه جانب مما ينتظر المتقين من نعيم مقيم , وما ينتظر الكفار والمشركين من عذاب مهين , وتخاصم في النار مشين , أيا كانت مكانتهم في الدنيا, ومهما استكبروا وعلوا فيها, ومهما تطاولوا على الله (تعالى) وعلى رسوله الكريم , وتجبروا على المستضعفين من خلق الله .
وتعاود السورة الكريمة التأكيد على وحدانية الله (الذي تنزه عن الشريك , والشبيه , والمنازع , والصاحبة والولد) فتقول موجهة الخطاب إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) : " قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ . رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا العَزِيزُ الغَفَّارُ . قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ . أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ . مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلأِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ . إِن يُوحَى إلى إِلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ " (ص:65-70) .
ثم تعرض سورة ص لقصة خلق أبينا آدم (عليه السلام) فتقول :" إِن يُوحَى إلى إِلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ . إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ . فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ . فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ . قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العَإلينَ . قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ " (ص:71-76) .
وتختتم السورة الكريمة بطرد إبليس اللعين من الجنة ومن رحمة الله ورضوانه كما سوف يحرم منها أبالسة الأرض أجمعون , وتذكر تهديد إبليس اللعين بغواية أهل الأرض أجمعين كما أغوي كفار قريش ومن تبعهم على الكفر والشرك إلى يوم الدين , وذلك في حوار بين الله (تعالى) وهذا المخلوق اللعين من شياطين الجن فتقول الآيات : " قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ . وَإِنَّ عليكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ . إِلَى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ . قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ .إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ . قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ . لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ . قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عليهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ . إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ . وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ " (ص:77-88) .
" إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ " (ص:71).
من ركائز العقيدة الإسلامية في سورة ص :
(1) الإيمان بأنه ما من إله إلا الله , الواحد القهار , العزيز الغفار , الوهاب , المنزه عن جميع صفات خلقه , والذي لا تنتهي خزائن رحمته , والذي لا شريك له في ملكه , ولا منازع له في سلطانه .
(2) التسليم بأن القرآن الكريم هو وحي الله الخاتم الذي أكمل به الدين , وأتم به النعمة على عباده المؤمنين , وتعهد بحفظه إلى يوم الدين , وأنه كتاب مبارك كريم , لا يدرك قدره إلا أولوا العقل السليم , والفكر القويم .
(3) اليقين بأن الله (تعالى) أنزل هدايته للبشرية بالوحي إلى سلسلة طويلة من الأنبياء والمرسلين , وأن هذه السلسلة المباركة ختمت ببعثة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) , وأن الإيمان بجميع أنبياء الله ورسله ـ بغير تفريق ولا تمييز ـ هو من صميم الدين , وأن تكذيب أي من رسل الله الصادقين يستوجب العقاب من الله (تعالى) في الدنيا قبل الآخرة .
(4) التسليم بأنه ما على رسل الله إلا البلاغ المبين , ولذلك وصف الله (تعالى) خاتم أنبيائه ورسله (صلى الله عليه وسلم) بأنه نذير مبين .
(5) التصديق بقصص القرآن الكريم , وبكل ما أصاب الكفار والمشركين من الأمم السابقة من عذاب , وبما سوف يصيب كفار ومشركي وظلمة اليوم والغد إلى يوم الدين من عذاب إن شاء الله رب العالمين .
(6) الإيمان بالآخرة وبكل ما رواه القرآن الكريم من أحداثها بدءا بالبعث والحساب , وانتهاء بالخلود إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا .
(7) اليقين بأن الله (تعالى) سوف يملأ جهنم بأبالسة الجن والإنس , وبجميع من تبعهم من الكافرين والمشركين والمكذبين ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه وسلم) والمتطاولين على مقامه الشريف كذبا وزورا وبهتانا طمعا في شيء من حطام الدنيا الفانية .
(8) التصديق بكل المعجزات التي أجراها الله (تعالى) على أيدي أنبيائه ورسله, كما جاء وصفها في القرآن الكريم .
(9) التسليم بوصف القرآن الكريم للجنة ونعيمها , وللنار وجحيمها , وبجميع الأحداث المستقبلية التي ذكرها انطلاقا من اليقين بأن الله (تعالى) يري الماضي والحاضر والمستقبل في آن واحد , لأنه خالق كل من المكان والزمان الذي يحد بهما حركات وسكنات خلقه , وهي لا تحد الله (تعالى) , لأن المخلوق لا يحد خالقه أبدا .
(10) اليقين بأن رزق الله (تعالى) لا ينفد أبدا , وأنه(سبحانه) هو الرزاق ذو القوة المتين .
(11) الإيمان الكامل بقصة الخلق كما أوردها القرآن الكريم , على الرغم من انبهار عدد من الكتاب والدارسين بفكرة التطور العضوي , وعلى الرغم من محاولات إحياء الادعاء القديم بوجود أكثر من آدم واحد, أو بوجود بشر عاقلين قبل أبينا آدم (عليه السلام) وهي ادعاءات تفتقر إلى الدليل .
من الإشارات الكونية في سورة ص :
(1) الإشارة إلى وجود حيز فاصل بين السماوات والأرض , والعلوم المكتسبة تؤكد أن الغلاف الغازي للأرض مكون من اختلاط غازات اندفعت ـ ولا تزال تندفع ـ من باطن الأرض مع المادة التي تملأ المسافات بين أجرام السماء, وعلى ذلك فإن هذا النطاق البيني يمثل تركيبا مغايرا لكل من الأرض والسماء, ولعل هذا هو المقصود بتعبير السماوات والأرض ومابينهما والذي ورد عشرين مرة في القرآن الكريم منها مرتان في هذه السورة المباركة .
(2) تأكيد خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق أي بالقوانين المنضبطة , والسنن الحاكمة الدقيقة التي تعكس شيئا من صفات الخالق العظيم, وتنفي كل الادعاءات الباطلة بالعشوائية والمصادفة .
(3) الإشارة إلى خلق الإنسان من طين , والتركيب الكيميائي لجسمه يؤكد ذلك , واغتذاؤه على عناصر مستمدة من طين الأرض بواسطة النباتات , أو مختزنة في أجساد حيوانات تتغذى على النباتات تضيف التأكيد على ذلك , ومرور جسد الانسان في مراحل تحلله بعد وفاته بمرحلة طينية قبل أن يجف ويتواري في تراب الأرض مما يزيد ذلك تأكيدا.
(4) ذكر التسبيح بواسطة كل من الجبال والطير , والعلوم المكتسبة تقترب اليوم من التأكيد على أن كل مخلوق من مخلوقات الله غير المكلفة مثل الجمادات , والنباتات , والحيوانات له قدر من الإدراك الخاص به, والذي يتواءم مع مستواه, ويعينه في التعرف على خالقه , وفي المداومة على حمده وتسبيحه بلغة لا يدركها إلا أصحاب الأرواح الصافية , والقلوب العامرة بحب الله (تعالى) وحب خاتم أنبيائه ورسله (صلى الله عليه وسلم) .
(5) وصف الخيل بـ " الصَّافِنَاتُ الجِيَادُ " (ص:31) , وعلوم سلوك الحيوان تؤكد أن الخيل من الحيوانات المتميزة بشيء من الخيلاء والاعتداد بالنفس والاعتزاز بنعم الله تعالى عليها , وكذلك (تصفن) أي تقف على ثلاثة أرجل وعلى حافر الرجل الرابعة, وجاء الوصف بالتأنيث لأن الأنثي هي الزعيمة الآمرة الناهية في قطيع الخيل .
ووصفت الآيات كيفية تعامل نبي الله سليمان (عليه السلام) مع الخيل بقول الحق (تبارك وتعالى) : " ... فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ " (ص:33) وعلم سلوك الحيوان يؤكد أن من أفضل وسائل ترويض الخيل والتآلف معها هو المسح بكل من سيقانها وأعناقها لأنها من أكثر مواطن الاحساس إرهافا فيها .
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها , ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الثالثة من القائمة السابقة والمتعلقة بخلق ابينا آدم (عليه السلام) من طين والتي جاءت في الآية الحادية والسبعين من سورة ص , وقبل الوصول إلى ذلك أرى ضرورة الرجوع إلى أقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذه الآية الكريمة .
من أقوال المفسرين:
في تفسير قوله (تعالى) :" إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين " (ص:71) :
أورد ابن كثير (يرحمه الله) ما مختصره : هذه القضية ذكرها الله تبارك وتعالى في سورة البقرة , وفي أول الأعراف , وفي سورة الحجر, والإسراء , والكهف , وههنا , وهي أن الله سبحانه وتعالى , أعلم الملائكة قبل خلق آدم عليه الصلاة والسلام , بأنه سيخلق بشرا من طين ..
- وذكر صاحب الظلال (رحمه الله رحمة واسعة) ما مختصره : لقد خلق الله هذا الكائن البشري من الطين , كما أن سائر الأحياء في الأرض خلقت من طين, فمن الطين كل عناصرها, فيما عدا سر الحياة .. ومن الطين كل عناصر ذلك الكائن البشري فيما عدا ذلك السر , وفيما عدا تلك النفخة العلوية التي جعلت منه إنسانا من الطين كل عناصر جسده , فهو من أمه الأرض, ومن عناصرها تكون وهو يستحيل إلى تلك العناصر حينما يفارقه ذلك السر الإلهي المجهول, وتفارقه معه آثار تلك النفخة العلوية التي حددت خط سيره في هذه الحياة ....مراحل خلق آدم (عليه السلام) في الكتاب والسنة :
جاء ذكر خلق أبينا آدم (عليه السلام) وخلق نسله من بعده في العديد من آي القرآن الكريم وأحاديث خاتم الأنبياء والمرسلين (صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين) ومن ذلك نختار الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التالية :
أولا : خلق آدم (عليه السلام) من تراب :
(1) " إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ " (آل عمران:59) .
(2) " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ .. " (الحج:5) .
(3) " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ " (الروم:20) .
(4) " وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ .. " آ (فاطر:11) .
(5) " هَوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ... " (غافر:67) .
ثانيا: تحويل التراب الذي خلق منه آدم (عليه السلام) إلى طين :
(1) " هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ .. " (الأنعام:2) .
(2) " ... قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ " (الأعراف:12) .
(3) " وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً " (الإسراء:61) .
(4) " الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ " (السجدة:7) .
(5) " إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ .فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَآ . فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَآ . إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَآ . قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّآ . أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العَإلىنَآ . قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ " (ص:71-76) .
ثالثا : اختيار ما يناسب من خلاصة الطين لخلق آدم عليه السلام :
" وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ " (المؤمنون:12) .
رابعا : الجفاف النسبي للطين حتى أصبح لازبا أي ملتصقا بعضه ببعض:
" ... إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ " (الصافات:11) .
خامسا : جفاف الطين حتى اسود وانتن وأصبح صلصالا من حمأ مسنون :
" وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ .وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِآ . وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍآ . فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ .فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَآ . إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَآ . قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَآ . قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ" (الحجر:26-33) .
" إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ " (ص:71).
سادسا : تيبس الطين على هيئة صلصال كالفخار :
" خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ " (الرحمن:14) .
ولذلك جاءت الإشارات القرآنية العديدة إلى خلق الإنسان من الأرض من مثل قوله (تعالى) : " مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى " (طه:55) .
" وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاًآ . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً " (نوح:17-18) .
" ... هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ... " (النجم:32) .
- وللتأكيد على أن بني آدم جميعا كانوا في صلب أبيهم لحظة خلقه جاء قول ربنا (تبارك وتعالى): " وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مّنَ السَّاجِدِينَ " (الأعراف:11)
" وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ " (الأعراف:172) .
- ولتفسير ذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : آ " إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض , فجاء بنو آدم على قدر الأرض . جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك , والخبيث والطيب وبين ذلك " (أخرجه الإمام أحمد عن أبي موسي الأشعري , وأخرجه أبو داود والترمذي عن عوف الأعرابي مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
- كذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الله (تعالى) خلق آدم يوم الجمعة وفي رواية أخرى " في آخر ساعة من يوم الجمعة " مما يؤكد على أن خلقه كان خلقا خاصا بالأمر الإلهي كن فيكون .
سابعا : " ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ... " : (السجدة:9).
وفي ذلك يقول الحق (تبارك وتعالى) : " الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍآ . ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍآ . ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ " (السجدة:7-9) .
ونسبة الروح إلى الله (تعالى) هي من قبيل التشريف لآدم (عليه السلام) , لأن الله (سبحانه وتعالى) منزه عن جميع صفات خلقه , ومنها التجزيء , والتبعيض , والتنسيب إلى أب وأم أو إي صاحبه وولده .والروح التي نفخت في آدم هي من جنس ما استأثر الله بعلمه لقوله (تعالى) : " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً " (الإسراء:85) .
وللتأكيد على أن الخلق عملية مغايرة للتسوية والتصوير جاء قول ربنا (جلت قدرته) : " يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِآ . الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ .فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ " (الانفطار:6-8) .وفي الحديث الذي أخرجه كل من الأئمة الكبار البخاري ومسلم وأحمد عن كل من أبي حاتم وأبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال : " إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته " والضمير في كلمة (صورته) يعود على الأخ المضروب , لا على الله (تعالى) لأن الله (سبحانه) لا يشبهه أحد من خلقه . وإن كان كل من اليهود والنصارى والمشركين والوثنيين في كل عصر قد اعتقدوا خطأ أن الله (تعالى) قد خلق آدم على هيئة الذات الإلهية , والله الخالق الباريء المصور منزه عن الشبيه , والشريك , والمنازع , والصاحبة والولد , وعن كل وصف لا يليق بجلاله .
خلق الإنسان من طين :
يتضح من هذا الاستعراض السريع لقضية خلق الإنسان في القرآن الكريم وفي السنة النبوية المطهرة أن الإنسان مخلوق مكرم , خلقه ربنا (تبارك وتعالى) في أحسن تقويم , وسواه بيديه, ونفخ فيه من روحه , وأمر الملائكة بالسجود له , وعلمه من علمه , وفضله على كثير من خلقه, وحمله أمانة الاستخلاف في الأرض بعمارتها, وإقامة عدل الله فيها , وعبادة خالقه بما , والإنسان هو المخلوق المتميز بالعقل والذكاء , وبالقدرة على كسب المعارف وتعليمها , وعلى كسب المهارات وتطبيقها , وعلى التفكير والإبداع , وعلى الشعور والانفعال , وعلى البيان المنطقي المرتب , والتعبير عن الذات وعن المشاعر بدقة ووضوح , ومن ثم كان الإنسان مكلفا بمسئولية الاستخلاف في الأرض, ومحاسبا على أقواله وأعماله ومختلف نشاطاته فيها .والإنسان توازن دقيق بين المادة والروح , وميزانه في ضبط هذا التوازن هو عقله الذي يعينه على تحصيل المعارف المكتسبة من تفهم للقوانين الحاكمة للكون ولسنن الله فيه , وتوظيف ذلك كله في عمارة الأرض , وفي التعرف على الخالق العظيم من خلال التعرف على خلقه , وتلقي هدايته الربانية في الأمور التي لايقوي على وضع ضوابط صحيحة لنفسه فيها من مثل ركائز الدين من العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات , فيخضع لخالقه بالطاعة والعبادة بما أمر , وبالالتزام بمكارم الأخلاق وطيب المعاملات حتى يتحقق له الارتقاء في معراج الله إلى أعلى الدرجات, والوصول إلى رضاء الله وهي الغاية من وجوده في الأرض .
والإنسان بالإضافة إلى روحه وعقله هو جسد مادي من عناصر الأرض, ولذلك فهو خاضع لقوانين المادة ولسنن الله فيها, وهذا الجسد الإنساني يتكون أساسا من الماء(54% إلى أكثر من70%) بالإضافة إلى قدر من المواد البروتينية (من11% إلى17%) والدهون14% إلى26%) وعدد من العناصر والمركبات غير العضوية(5% إلى6%) وتشمل الكالسيوم, الفوسفور , الكبريت, البوتاسيوم , الصوديوم , الكلور , الماغنيسيوم وآثار طفيفة من كل من اليود والفلور, والبروم والحديد والنحاس, والمنجنيز, والزنك, والكروم, والكوبالت , والنيكل , والموليبد ينوم , والقصدير , والفاناديوم , والسيليكون , والألومنيوم وكلها من عناصر الأرض . ولو اختلفت نسب بناء جسم الإنسان قليلا ما صلحت لبنائه, وحتى شوارد العناصر التي توجد بنسب في حدود الآحاد من الألف في المائة فإن أقل خلل في نسبها بالزيادة أو النقصان قد يؤدي إلى اعتلال جسم الإنسان أو إفنائه .
ويتكون جسم الإنسان من ألف مليون مليون خلية حية في المتوسط , وهي خلايا متخصصة تتنوع بتنوع وظائفها, وتنتظم كل مجموعة متخصصة من تلك الخلايا في أنسجة متخصصة, ثم في أعضاء متخصصة, ثم في أجهزة أو نظم متخصصة تتعاون كلها في خدمة هذا الكيان المبهر في دقة بنائه, والعلماء يعجزون اليوم عن إدراك كيفية تعرف الخلايا المتخصصة على بعضها البعض لبناء الأنسجة المتخصصة , ولا معرفة كيفية تعرف الأنسجة , ولا توافق الأجهزة لبناء هذا الجسد المتكامل الأداء , بذاتها ولكنه تدبير الخالق العظيم .والخلية الحية التي لا يتعدى قطرها في المتوسط 00,03 من المليمتر ولا يتعدي وزنها جزءا من مليار جزء من الجرام تعتبر بناء فائق التعقيد والكفاءة في الأداء , يفوق في تعقيده جميع المصانع التي أقامها الإنسان , بل التي فكر في إقامتها ولم يتمكن من ذلك بعد .
فالخلية البشرية لها جدار حي , ولها سائل خاص يعرف باسم الهيولي (السيتو بلازم) , ولها نواة تمثل مركز التحكم في الخلية (عقل الخلية) , ويغلف النواة غشاء خاص يسمح بتبادل المعلومات والبروتينات النووية مع هيولي الخلية, بدقة وإحكام بالغين .
وللخلية جسيمات حية متناهية الضآلة في الحجم تعوم في سائل الخلية وتعرف باسم العضيات (Organelles) , ومنها مولدات الطاقة أو المقتدرات (Mitochondria) , ومراكز تصنيع البروتينات أو الريباسات , (Ribosomes), وغيرها , ويحيط بالخلية الحية غشاء خلوي له كفاءة عالية في المحافظة على كيان الخلية كوحدة مستقلة دون عزلها عما حولها من الخلايا التي تتعايش معها في تفاعل كامل .
وفي داخل النواة توجد الشفرة الوراثية المكونة من الصبغيات على هيئة شبكة صبغية تحمل نوية واحدة , وعدد الصبغيات محدد في كل نوع من أنواع الحياة , وهي تحمل الصفات الوراثية كما تحمل مراكز توجيه صنع البروتينات المختلفة التي يحتاجها الجسم. وتستطيع الخلية الحية على ضآلة حجمها انتاج مائة ألف صنف من البروتينات يكفي الجسم منها ألف بروتين أساسي, ويعجز الإنسان عن انتاج هذا العدد من البروتينات في أضخم المصانع التي تم إنشاؤه في الزمن الذي تنتجه الخلية الحية. ويختلف بناء الجزيء البروتيني باختلاف عمله فهناك بروتينات الغضاريف , والعضلات , والأوعية الدموية , والأنسجة الرئوية , وبروتينات كل من الجلد والشعر , وبروتينات الدم وتجلطه , وهناك الإنزيمات والهرمونات المختلفة, وغيرها من المركبات الكيميائية والفيتامينات المختلفة التي يحتاجها الجسم وتنتجها الخلية حسب الحاجة .
هذه العجالة تؤكد أن تكون خلية واحدة من أكثر من مائة تريليون خلية حية في المتوسط في جسم الفرد الواحد منا لا يمكن أن يتم بعشوائية أو بمصادفة , بل يحتاج إلى تقدير الخالق الباريء المصور , بل إن تكوين جزيء بروتيني واحد , بل جزيء واحد من جزيئات الأحماض الأمينية المكونة للجزيء البروتيني لايمكن أن يتم إلا بتقدير مسبق وتدبير حكيم, فالمصادفة لا تجدي في إنتاجه أبدا .
وإذا قرر العلم ذلك , فلا مفر من الاعتراف بحقيقة الخلق, وتدبير الخالق, وإذا قال الخالق العظيم : ... إني خالق بشرا من طين فإن المخلوقات لا يملكون التمحك في تفسير ذلك مهما توفرت المشاهدات, لأنهم لم يشهدوا خلق أنفسهم والشواهد على الخلق هي في الواقع قليلة ومتناثرة مع إيماننا بالأمر الإلهي : " قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (العنكبوت:20) .
ومع ندرة شواهد الخلق وتناثرها , فإن مناقشتها بمعزل عن الهداية الربانية تصبح مضيعة للوقت والجهد دون أدني طائل , وهنا يتضح دور القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة في تجليه مثل هذه الأمور.
إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ
أدوات القراءة
- أصغر صغير متوسط كبير أكبر
- Default Helvetica Segoe Georgia Times
- قراءة خاصة