أريوس ومجمع نيقية

المجامع المسكونية
أدوات القراءة
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

يعتبر أريوس من الاسماء التى ثار حولها لغط كثير فمن هو "من وجهة نظر الكنيسة"؟و لماذا عقد مجمع نيقية ؟

اريوس:
يعتبر صاحب اكبر حركة"معتقدية" اثرت على الكنيسة فى العالم مقارنة بغيرها من المعتقدات التى لم تلبث ان تعددت الحدود الجغرافية التى نشات فيها
فمن هو اذا اريوس الذى تعتبره الكنائس لا سيما الارثوذكسيه اكبر المهرطقين والذى بسبب ما كان ينادى به عقد مجمع نيقية"المجمع المسكونى الاول"

ولد فى ليبية القيروان بافريقيا سنة270م و كان له المام كبير بعلوم كثيرة وبالنسبة لفصاحته و لطف معاشرته وحبه للتعلم جاء الى الاسكندرية راجيا الوصول الى درجات عالية فى العلوم اللاهوتية وبالفعل تقدم فى علومها تقدما باهرا ونال درجات رفيعة لفصاحته و قوة علمه

فى مبدا امره انضم الى ميليتس اسقف ليكوبوليس و ساعده على العصيان ضد القديس بطرس بابا الاسكندرية ولكنه سرعان ما تصالح مع بطرس بابا الاسكندرية فرسمه شماسا سنة306م
اما معتقد اريوس والذى بدا باذاعته فى عهد البابا بطرس فكانت بمثابة هزة كبرى للكنيسة و رجالها واساس هذا المعتقد ان الكنيسة كانت "من المفترض حسب رائيهم"تعلم منذ القديم بان الله واحد فى ثلاثة اقانيم و لكنها لم تبحث فى نسبة احدهم الى الاخر و حقيقة الفرق بينهم ولم تحكم فى شئ من هذه القضايا غير انه لما ظهر سابليوس الذى كان ينكر تميز الثلاثة اقانيم فى اللاهوت قائلا انه توجد ثلاثة اسماء لاله واحد مخترعة لتبيان مفاعيل اللاهوت المختلفة فحكمت الكنيسة مضادة له بانه يوجد فرق بين كل من الاب و الابن و الروح القدس اى انه يوجد ثلاثة اقانيم متميزون فى اللاهوت

وكان مذهب اريوس كانه شرح لتعليم سابليوس فذهب الى ان الابن يختلف عن الاب فى الجوهر و انه"الابن"اول واشرف كل ما خلقه الاب من العدم و انه هو الواسطة التى كون بها الكون ومع ذلك فهو ادنى من الاب فى الطبيعة والمنزلة و الاب اقدم من الابن لان الابن مخلوق به و تمكن اريوس بفصاحته ان يجذب اليه بعض الانصار فكانوا يجادلون اتباع الكنبسة فى شوارع الاسكندرية ويصرخ الواحد منهم فى وجه الاخر قائلا"يا هرطوقى من الاكبر الوالد ام المولود"واخر يقول"هل من المعقول ان يوجد ابن قبل ولادته"
وكان اريوس يعلم الشعب فى كنيسة بوكاليس ان يرتل"المجد للاب بالابن فى الروح القدس"مخالفا القول الماثور فى عموم الكنيسة"المجد للاب والابن والروح القدس" وصار اتباعه يعلمون الناس فى الشوارع"ايمكن ان يوجد ولد قبل ان يولد"

وظل اريوس على موقفه ضد البابا الاسكندروس وقال ان المسيح غير مساو للاب فى الجوهر و العظمة و انه مخلوق بارادة الاب حادث غير ازلى و انه حال كونه اكمل خلق الله كان بحسب اختياره المعتوق ذا طبيعة متغيرة يمكنه اتيان الفضيلة و الرزيلة و لكنه اعتنق الصلاح والفضائل فاشركه الله من اجل اعماله الصالحة بطبيعته الالهية مجملا اياه بهذه الالقاب اى كلمة وابن وحكمة
ولما نادى بتعاليمه جهارا حكم عليه بالنفى بعد ان عقد مجمع نيقية غير انه تمكن من الرجوع من منفاه بواسطة اخت قسطنطين الكبير وحاول الرجوع الى مركزه فى الاسكندرية و لكن اثناسيوس الرسولى طرده

وقيل انه مات فى وسط اتباعه اثناء احتفالهم به لكن تعاليمه لم تمت بموته بل انتشرت بعد موته وامتد امد بعيد و ازداد اتباعه كثيرا حتى تمكنوا من محاربة الارثوذكسين وبعد ذلك وقع الانشقاق بين الاريوسيين فانقسموا الى عدة شيع"حسب راى الكنيسة"
وهكذا بقيت التعاليم الاريوسية ممتدة فى اسبانيا و والولايات الجرمانية اكثر من 300 عام و اما بريطانيا فلم تمتد فيها سطوتها الا عند انعقاد المجمع الانطاكى سنة363م و ايام ثيوديسيوس الثانى صدر امر باستئصال الاريوسية و ابادتها بموجب قانون تقرر فى السلطنة الرومانية وذلك سنة428م ومن ذلك العهد الى الان لم تعرف فرق بالحقيقة اريوسية حسب تعاليم اريوس ولكن يقال ان سرفتس احياها فى حدود القرن السادس عشر وايد هذا القول اراسمس فذاعت تعاليمها و ازعجت الكنيسة كما يظهر من حكم كنيسة انجلترا الصادر بهذا الشان و ماله ان الاريوسين الذين وجدوا غير قابلى الاصلاح ينفون الى بعض القلاع فى شمالى والس او والنجفور لكى يعيشوا هناك من تعب ايديهم و لا يسمح لاحد ان يخالطهم الا خفرتهم و لا ان يخرجوا من هناك حتى يتحقق صدق قدسيتهم و رجوعهم عن غيهم الى الايمان الحقيقى فكانت النتيجة ان قضى عليهم اكلينيكيا

-مجمع نيقية:
ويسمى المجمع المسكونى الاول وكان الداعى لانعقاده انتشار ما سمته الكنيسة "بدعة اريوس الهرطوقى" و اضطراب الكنيسة و انزعاج طوائفها فكتب البابا الاكسندروس بابا الاسكندرية الى الملك قسطنطين الكبير طالبا منه عقد مجمع مسكونى لفض هذا النزاع وتقرير مسائل اخرى مختلف عليها وذهب اوسيوس اسقف قرطبة الى الملك و طلب منه نفس الطلب فارتضى قسطنطين و كتب منشورا يستدعى فيه جميع اساقفة المملكة للاجتماع فى مدينة نيقية فلبى الدعوى حالا 318 اسقفا من كل اقاليم العالم المسيحى و كثيرا منهم كانوا قد امنوا سلفا بالوهية المسيح
وكان اعظم الحضور شان بابا الاسكندرية الاكسندروس و كان بحكم وظيفته هو المدعى ضد اريوس و كان بصحبته اثناسيوس رئيس شمامسته وسكرتيره الخاص البالغ من العمر25 سنة
ويليهم فى الاهمية اسطاسيوس اسقف انطاكيه ويوساب اسقف قيصرية و مكاريوس اسقف اورشليم وبولس اسقف قيصرية الجديدة ويعقوب اسقف نصيبين و عطاالله اسقف اديسا وغيرهم من ارمينية و بلاد الفرس
وحضر اريوس وانصاره وهم اوسابيوس اسقف نيكوميديا و ثاوغنس مطران نيقية و مارس اسقف خلكيدون و خلاف هؤلاء واولئك كان المجمع مكتظا بعدد عظيم من الذين اتوا لمتابعة مصير ايمانهم بالمسيح
وفى هذا المجمع كان الشمامسة لابسين رداء طويل و الاساقفة و الكهنة برنسا كبيرا من الصوف و كلها من اللون الابيض
واجتمع المجمع سنة325م و لايعرف جيدا الشهر الذى اجتمع فيه المجمع فيقول بعضهم فى 20ايار"مايو" وغيرهم فى 19 جزيران"يونية" اما مكانه فكان فى الساحة الوسطى فى القصر الملوكى
وكان"فى وجهة نظر الكنيسة"اهم الحاضرين هو اثناسيوس رئيس شمامسة البابا الاسكندروس فهو الذى كان يتولى الدفاع ضد اريوس و اتباعه نظرا لما اظهره من البراعة قبل انعقاد المجمع فى مناضلة الاريوسيين فى بعض مجادلات جرت بينه و بينهم"مع وجود تحفظ لوجوده من الاريوسين نظرا لكونه ما زال شماسا فضلا عن صغر سنه ولكن الملك لم يعبا باعتراضهم نظرا لميله لراى اثناسيوس"

وبدا المجمع اعماله بانعقاد الجلسة الاولى فكثر الجدال واللغط والغضب وانقضت الجلسة الاولى بدون جدوى وفى اليوم التالى تقدموا للمناقشة فوقف اريوس وقال"ان الابن ليس مساويا للاب فى الازلية وليس من جوهره وان الاب كان فى الاصل وحيدا فاخرج الابن من العدم بارادته و ان الاب لا يرى و لا يكيف حتى للابن لان الذى له بداية لا يعرف الازلى و ان الابن له لاهوت مكتسب"
فحال سماع الاباء هذه الكلمات ضجوا ضجيجا هائلا وصموا اذانهم كيلا يسمعوا كلامه

واخذ اريوس يدافع عن معتقده فانبرله اثناسيوس وقال ما مجمله"ان الابن دون الاب لكونه تجسد كما جاء"لو كنتم تحبونى لكنتم تفرحون لانى قلت انى ماض الى الاب الن ابى اعظم منى"اى انه بناسوته يمضى الى الاب الذى هو اعظم من ناسوت الابن اما لاهوته فيظر فى قوله "انا والاب واحدا"وان الابن بولادته الازليه من الاب قد ملك كل سلطان وقال ان المسيح تكلم فى مواضع كثيرة بحسب كونه الها صار انسانا"

ورد عليه اريوس فى كلام مجمله"ان الابن قال ابى اعظم منى ومعنى ذلك ان الابن اصغر ولا يساوى الاب فى الجوهر, وقال ان المسيح قال اعطيت كل سلطان فى السماء والارض ومعنى ذلك انه نال السلطان من ابيه لانه اعظم منه وغير مساو له وقال ان المسيح نسب لنفسه عدم معرفة ساعة الدينونة فاذا كان الابن لا يعرف وقت الدينونة فكيف يكون الها؟, وقال ان المسيح قال انا لا اقدر ان اصنع مشيئتى بل مشيئة من ارسلنى,فاذا هو عبد للاب ودونه,واستشهد بيوحنا الذى قال فى بشارته عن الابن :كل شئ به كان و بغيره لم يكن شيئ مما كان,فهذا القول يدل على ان الابن الة استخدمها الاب لصنع الخلائق فالابن اذا ليس الها خالقا

وكثر الجدال فى هذا المجمع فبعضهم سائل اذا كانوا يعترفون ان الابن ليس مخلوقا بل هو قوة الاب و حكمته وصورته و انه هو الله حقا فنظر بعضهم الى بعض وتشاوروا همسا ثم قالوا اننا نوافق على ذلك لاننا نحن البشر ندعى صورة الله و مجد الله و اشياء كثيرة يقول عنا الكتاب انها قوته حتى ان الجراد سميت بقوات الرب و اما من جهة القول بانه اله حقيقى فلا مشاحنة فيه اذ انه جعل او تعين هكذا و لم يلق احد من الفريقين اية عبارة يعبر بها عن فكرة الا وقام الفريق الاخر باضعاف قوتها ونفيها

فاقترح اثناسيوس ان تضاف كلمةhomo-ousion اى مساو فى الجوهر او ذو جوهر واحد للتعبير عن هذه الحقيقة بطريقة موجزة واضحة فعارض اليوسابيون فى استعمال هذه اللفظة بدعوى انها ليست من الكتاب وغير ملائمة و قابلة للتاويل ثم اقترحوا استبدالها بلفظةhomi-ousion اى مشابه فى الجوهر والفرق بين الكلمتين حرف واحد وهو "يوتا"باليونانية و القبطية و لكن ما اعظم الفرق بين اللفظين فى المعنى وبقدر معارضتهم بقدر ما ظهر للاغلبية انها العبارة المقصودة بالذات للتميز بين من يؤمن بصحة لاهوت المسيح و بين من يعتقد بما هو اقل من ذلك فصودق على اقتراح اثناسيوس باغلبية هائلة و لم تزد الاقلية عن سبعة عشر صوتا و قوبلت هذه النتيجة بالسرور التام وتقرر ان يكون قانون الايمان هكذا:
"نؤمن باله واحد الله ضابط الكل الخالق السماء والارض ما يرى وما لا يرى و نؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الاب قبل كل الدهور نور من نور اله حق من اله حق مولود غير مخلوق مساو للاب فى الجوهر الذى به كان كل شئ هذا الذى لاجلنا نحن البشر ومن اجل خلاصنا نزل من السماء و تجسد من الروح القدس و من مريم العذراء تانس وصلب على عهد بيلاطس البنطى تالم وقبر و قام من بين الاموات فى اليوم الثالث كما فى الكتب وصعد الى السموات وجلس عن يمين ابيه و ايضا ياتى فى مجده ليدين الاحياء و الاموات الذى ليس لملكه انقضاء"

ويلى هذا القرار حرم اريوس واتباعه وحرم بدعة سابليوس الذى اذاع اريوس ان معارضيه يقبلونها وبذلك اوضح المجمع النقطتين الاساسيتين فى التعليم عن كلمة الله و هما تميز الاقانيم فى اللاهوت وصحة الوهية المسيح

وبعد ان حكم المجمع بحرم اريوس و بدعته امر بنفيه و بحرق كتبه و اعدام من يتستر عليها وارسل المجمع الى كنائس افريقيه يقول"قبل كل شئ وقع البحث امام الملك قسطنطين الكلى التقوى فى اثم اريوس و رفاقه و عدم تقواهم وهكذا ايضا فلتكن اقواله واعماله و عباراته التجديفية التى استعملها لانه قال مجدفا ان ابن الله من القدم وانه وجد زمان لم يوجد فيه وقال ان ابن الله من تلقاء ارادته قادر على الفضيلة و الرذيلة و قال انه مخلوق وعمل فكل هذا حرمه......"

ولما انتهىالمجمع من القضاء على اريوس صرف همه للفصل فى مسائل اخرى:
ا/تحديد يوم عيد القيامة فقرر بالاجماع ان يكون العيد المذكور فى موعد واحد بجميع البلدان اى يوم الاحد الذى يلى البدر الذى يكون فيه عيد اليهود حتى لا يعيدوا قبل اليهود او معهم
ب/ثم نظر المجمع فى امر شقاق ميليتس وامر بحفظ الحقوق والرتب
ج/النظر فى معمودية الهراطقة تلك المشكلة القديمة فاعترف المجمع بمعمودية واحدة وحدد ان لا يقبل بعض من الهراطقة لا بالمعمودية لان معموديتهم المعروفة اسما هى بالفعل غير صحيحة لعدم ارتباطها بالاعتراف بالثالوث الاقدس والبعض الاخر ان يقبلوا بلا معمودية لكون المعمودية المتممة عليهم لبثت غير فاسدة و لا ممسوسة من ارائهم لتعلقها بمواضيع اخرى لا تمس المعمودية
د/حكم على ذوى الكهنوت ان يكونوا من اصحاب الزوجات و قد اراد جل الاعضاء ان يقرروا ضرورة تبتل كل رتب الاكليروس الا ان رائيهم لم يقبل و كان اشد معارضيه القديس بفنوتيوس اسقف طيبة الذى اشير اليه بانه فقد عينه اليمنى و يده اليسرى فى الاضطهاد و هو اعزب اذ صرح بانه ليس من الواجب التثقيل على ذوى الكهنوت خشية حدوث ضرر للبيعة عوض النفع فاثر كلامه فى الجميع لانهم عرفوا انه لا ينتفع من القرار او عدمه و اكتفى المجمع بالحكم على الكهنة المترملين بعدم اعادة الزيجة وعلى ذلك سن المجمع عشرين قانونا فى تلك الخصوص لا تزال موجودة الى عصرنا هذا.

و سلاما على المرسلين و الحمد لله رب العالمين