الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ

الإعجاز العلمي
أدوات القراءة
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

" الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ " (‏السجدة‏ :7).

الآية الكريمة جاءت في نهاية الربع الأول من سورة السجدة‏ ,‏ وهي سورة مكية ,‏ وعدد آياتها ‏(30)‏ بعد البسملة ‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى سجود المؤمنين لله الخالق البارئ المصور‏ ,‏ وتسبيحهم بحمده ‏,‏ وخضوعهم لجلاله بالطاعة والعبادة كلما ذكروا بآياته‏ .‏
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول ركائز العقيدة الإسلامية من الإيمان بالله‏ ,‏ وملائكته‏ ,‏ وكتبه‏ ,‏ ورسله‏ ,‏ واليوم الآخر‏ ,‏ وتوحيد هذا الخالق العظيم‏ ,‏ وتنزيهه‏ (جل شأنه‏)‏ عن الشريك‏ ,‏ والشبيه‏ ,‏ والمنازع‏ ,‏ والصاحبة والولد‏ ,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏ ,‏ والتصديق برسالة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وبمعجزته الكبرى وهي القرآن العظيم‏ ,‏ الذي أوحاه الله‏ (تعالى‏)‏ إليه هداية للناس أجمعين‏ ,‏ وتعهد بحفظه إلى يوم الدين حتى يكون حجة على الخلق كافة‏ ,‏ والإيمان بالبعث‏ ,‏ والحساب‏ ,‏ والجزاء‏ ,‏ والخلود في الآخرة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏ .‏
وتبدأ السورة الكريمة بالحروف المقطعة الثلاثة‏ (الم‏)‏ والتي جاءت في مطلع ست من سور القرآن الكريم‏ .‏ والفواتح الهجائية افتتحت بها تسع وعشرون سورة قرآنية كريمة‏ ,‏ وقد قيل فيها أنها رموز إلى كلمات أو معان أو أعداد معينة متعلقة بالسورة التي استفتحت بها أو أنها أسماء للسور التي وردت في أوائلها‏ ,‏ أو أنها صورة من صور تحدي العرب بالقرآن الكريم وإثبات إعجازه ‏,‏ لأنه لم يجاوز حروف لغتهم التي يتكلمون بها‏ ,‏ إلا أنهم لم ولن يستطيعوا أن يأتوا بشيء من مثله‏ ,‏ أو هي وسيلة من وسائل قرع أسماعهم وقلوبهم كي تنشط وتتنبه لتلقي القرآن الكريم‏ ,‏ أو أنها شهادة على صدق نبوة خاتم المرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ لنطقه بأسماء الحروف ـ وهو الأمي ـ مع أن الأمي لا يستطيع النطق إلا بأصوات الحروف دون أسمائها‏ ,‏ أو أنها تجمع بين ذلك كله‏ ,‏ أو أن هذه الفواتح الهجائية تبقي سرا من أسرار القرآن الكريم نكله إلى الله‏ (تعالى‏)‏ حتى يفتح على أي من عباده بتفسيرها‏ .‏
وبعد هذا الافتتاح للسورة الكريمة يأتي التأكيد القاطع على أن القرآن الكريم هو تنزيل من رب العالمين بلا أدنى شك أو ريبة‏ ,‏ ويأتي هذا الحكم الإلهي دفعا لما ادعاه كفار قريش‏ ,‏ وادعاه أو يدعيه كل كافر من بعدهم إلى يوم الدين بالدعوى الباطلة أن القرآن الكريم من صناعة سيدنا محمد‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وهو الذي شاء الله‏ (تعالى‏)‏ أن يجعله أميا‏ (لا يقرأ ولا يكتب‏)‏ حتى يبطل هذه الحجة العاجزة في رفض الدين كما أنزله ربنا‏ (جلت قدرته‏) ,‏ وأكمله‏ ,‏ وأتمه‏ ,‏ في آخر رسالاته لهداية خلقه أجمعين من لحظة الوحي به وحتى قيام الساعة‏ . ‏وترسيخا لربانية القرآن الكريم يقول منزله‏ (وهو خير القائلين‏) :‏ " تَنزِيلُ الكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العَالَمِينَآ . أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ "‏ (السجدة:2‏,‏3)‏ .
ثم تعرض الآيات لشيء من صفات رب العالمين الذي أنزل القرآن بالحق على خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ ومنها أنه‏ (تعالى‏)‏ هو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام‏ (أي ست مراحل متتالية‏)‏ ثم استوي على العرش‏ (استواء يليق بجلاله من غير تشبيه ولا تمثيل‏) .‏

ثم توجه الآيات الخطاب إلى مشركي قريش خاصة‏ ,‏ وإلى الناس عامة بأن ليس لهم من دون الله من ولي ولا شفيع يتولى أمورهم في الدنيا أو يمنعهم من عذابه في الآخرة‏ ,‏ أو يشفع لهم عنده إلا بإذنه‏ ,‏ لأن الله‏ (تعالى‏)‏ هو الذي يرعى خلقه في الدنيا‏ ,‏ ويحاسب عباده في الآخرة‏ ,‏ ولذلك تضيف الآيات هذا السؤال التوبيخي‏ : "‏ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ ؟ " (السجدة:4)‏ أي أفلا تتذكرون هذه الحقائق فتؤمنون بالله‏ ,‏ وبملائكته‏ ,‏ وكتبه ورسله‏ ,‏ وبخاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وبالكتاب الذي أوحي إلى هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ ألا وهو القرآن الكريم؟
ثم تأتي الآيات بصفة أخري من صفات رب العالمين‏ ,‏ ألا وهي السرعة الفائقة التي يدبر بها أمور الكون‏ ,‏ لأن الزمن من خلق الله‏ ,‏ والمخلوق غير المكلف هو دائما في طوع الخالق لا يألو في طاعته جهدا‏ ,‏ ولا يعصي له أمرا‏ .. ,‏ وفي ذلك يقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إليهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ " (‏السجدة‏:5)‏ .
وتؤكد الآيات جوانب أخرى من صفات الله العزيز الحميد‏ ,‏ منزل القرآن المجيد فتقول‏ : " ذَلِكَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُآ . الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍآ . ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍآ . ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ "‏ ‏(‏السجدة‏:6‏-‏9)‏ .
وتندد الآيات بالمكذبين بالبعث والنشور الذين يرددون مقولتهم الساذجة‏ :‏ أئذا متنا وتحللت لحومنا وعظامنا إلى تراب اختلط بتراب الأرض حتى غاب فيه‏ ,‏ ولم يتميز عنه‏ ,‏ هل يمكن أن يعاد خلقنا من جديد؟ وهو استبعاد للبعث‏ ,‏ واستهزاء بإمكانية وقوعه ولذلك ختمت الآية بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) : ‏" بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ "‏ (السجدة‏:10)‏ ‏وترد عليهم الآيات بتأكيد حقيقة الموت والبعث فتقول‏ موجهة الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏) :‏ " قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ المَوْتِ الَّذِي وَكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ‏" (السجدة‏:11)‏ .
وبعد ذلك تناولت الآيات جانبا مما سوف يكون فيه المجرمون يوم القيامة من الذل والهوان‏ ,‏ والحسرة والندم فتقول :‏ "‏ وَلَوْ تَرَى إِذِ المُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ‏" (السجدة‏:12) .‏
ويرد عليهم الحق‏ (تبارك وتعالى‏)‏ بقوله‏ (عز من قائل‏) :‏ " وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَ الْقَولُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَآ . فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ‏" (السجدة‏:14,13) .‏
ثم تستعرض الآيات حال السعداء من المؤمنين بآيات الله في الدنيا والآخرة فتقول‏ :‏ " إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَآ . تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ "‏ (السجدة‏:15‏و‏16)‏ .
وبالمقابل تصف الآيات حال الفاسقين في الدنيا والآخرة فتقول‏ : ‏" وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَآ . وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ العَذَابِ الأَدْنَى دُونَ العَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَآ . وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ " (‏السجدة‏:20‏-‏22) .‏
والعذاب الأدنى هو عذاب الدنيا‏ ,‏ والعذاب الأكبر هو عذاب الآخرة‏ .‏
ثم يأخذ سياق سورة السجدة جولة جديدة مع نبي الله موسى ورسالته إلى قومه‏ ,‏ مشيرة إلى التوراة الأصلية التي أنزلها الله‏ (تعالى‏)‏ هداية لبني إسرائيل بعد أن كانوا قد ضلوا ضلالا بعيدا‏ ,‏ مؤكدة النقاء لصاحب القرآن الكريم مع صاحب التوراة على الأصل الواحد‏ ,‏ والعقيدة الثابتة التي تدعو إلى توحيد الله‏ (تعالى‏)‏ توحيدا مطلقا فوق جميع خلقه‏ ,‏ وتنزيهه عن الشريك‏ ,‏ والشبيه‏ ,‏ والمنازع‏ ,‏ والصاحبة‏ ,‏ والولد‏ ,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏ ,‏ ومؤكدة كذلك اصطفاء الصابرين الموقنين في كل عصر وفي كل جيل ليكونوا أئمة لأقوامهم‏ ,‏ مع بيان الصفات التي يستحق بها نفر من عباد الله الصالحين الإمامة والتمكين في الأرض ومنها التعرض بالدعوة لدين الله‏ ,‏ واليقين بآياته‏ ,‏ والصبر على تكاليف ذلك وفي هذا المعنى يقول رب العزة والجلال مخاطبا خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) : ‏" وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَآ . وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَآ . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ " ‏(السجدة‏:23‏-‏25) .‏
وأما ارتداد بني إسرائيل عن دينهم‏ ,‏ وتحريفهم لكتبهم‏ ,‏ وقتلهم لأنبيائهم وللصالحين من عباد الله كما يفعلون اليوم على أرض فلسطين‏ ,‏ فأمرهم متروك إلى الله‏ (تعالى‏)‏ يحكم فيه يوم القيامة وهو أعدل الحاكمين‏ .‏

ثم يأخذ السياق القرآني في سورة السجدة كلا من الكفار والمشركين المكذبين بالبعث‏ ,‏ أو بالدين الخاتم‏ ,‏ وبخاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في جولة مع مصارع الغابرين فيقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) : " أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ القُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ " (السجدة:26) .‏ وتستشهد السورة المباركة على كمال قدرة الله على البعث بإعادة إنبات الأرض الجرز التي قطع نباتها بالرعي الجائر‏ ,‏ أو جف ويبس واندثر لانقطاع الماء عنها‏ ,‏ فإذا ساق الله‏ (تعالى‏)‏ إليها الماء فإنها تخضر بعد جفاف وقحولة وتزدهر بمختلف أنواع الحشائش والزروع والأشجار والثمار‏ ,‏ التي يأكلون منها‏ ,‏ وتأكل أنعامهم‏ .‏ وتتساءل الآية الكريمة هذا التساؤل التقريعي‏ : "‏ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ ‏" (السجدة:27) : أي أفلا يبصرون أن الذي يخرج النبتة من بين تراب الأرض قادر على أن يبعث الموتى من قبورهم؟‏ ,‏ والقرآن الكريم دوما يشبه بعث الأموات من قبورهم بإنبات النبات من بذوره‏ ,‏ ورسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ يقول‏ : ‏" كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب " ويقول‏ : ‏" ما بين النفختين أربعون‏ ...‏ ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل‏ ,‏ ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب‏ ,‏ ومنه يركب الخلق يوم القيامة " .
وتختتم سورة السجدة بتهديد من الله‏ (تعالى‏)‏ للكفار والمشركين‏ ,‏ وبتوجيه لرسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ ـ ولكل داعية إلى الإسلام العظيم من بعده ـ أن يعرض عن هؤلاء الجاهلين الذين هم من جهلهم وظلمهم لأنفسهم يستعجلون بالعذاب الذي يوعدون‏ ,‏ ويستهجنون ثقة المسلمين بنصر الله‏ ,‏ وبالفتح الذي وعدهم‏‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ على الكفار والمشركين الذي كانوا يستعجلون هذا الفتح تكذيبا له‏ ,‏ واستهزاء به‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏ :‏ " وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَآ . قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَآ . فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ " (السجدة:28‏-30)‏ .
أي أعرض يا محمد عن الكفار والمشركين‏ ,‏ وأعرضوا عنهم يا أتباع محمد إلى يوم الدين‏ ,‏ ولا تبالوا بهم‏ ,‏ وانتظروا ما سوف يحل بهم من عذاب الله في الدنيا قبل الآخرة‏ ,‏ فإنهم متربصون بكم‏ ,‏ ومنتظرون ما يحل بكم من حوادث الزمان‏ , " والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏ " (يوسف:21) ,‏ وصدق الله العظيم إذ يقول‏ :‏ ‏" وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً "‏ (النساء:141)‏ .

" الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ " (‏السجدة‏ :7).

من ركائز العقيدة في سورة السجدة :
‏(1)‏ الإيمان بأن الله‏ (تعالى‏)‏ هو رب العالمين‏ ,‏ رب هذا الكون ومليكه‏ ,‏ خالقه‏ ,‏ ومبدعه‏ ,‏ ومدبر أمره‏ (بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة‏ ,‏ ولا ولد‏) ,‏ والإيمان بملائكته‏ ,‏ وكتبه‏ ,‏ ورسله‏ ,‏ واليوم الآخر‏ ,‏ وبالخلود في الآخرة إما في الجنة أبدا‏ ,‏ أو في النار أبدا‏ ,‏ وأن البعث والحساب والجنة والنار حق لا مراء فيه‏ .‏
‏(2)‏ اليقين بأن القرآن الكريم هو كتاب حق لا ريب فيه ‏ ,‏ أنزله رب العالمين على خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏)‏ هداية للناس إلى يوم الدين‏ .‏
‏(3)‏ التسليم بأن الله‏ (تعالى‏)‏ هو عالم الغيب والشهادة‏ ,‏ العزيز الرحيم‏ " الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ " (السجدة:7).
‏(4)‏ الإيمان بأن الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ جعل نسل الإنسان من سلالة من ماء مهين‏ ,‏ ثم سواه ونفخ فيه من روحه‏ (في خلال مراحله الجنينية‏) ,‏ وجعل السمع والأبصار والأفئدة نعما من عنده على عباده تستوجب منهم الشكر للخالق العليم الحكيم‏ .‏
‏(5)‏ التسليم بأن المؤمنين والكافرين لا يستوون أبدا‏ ,‏ وأن الصالحين والفاسقين لا يستوون أبدا‏ ,‏ وأن الذين يعملون الصالحات والمفسدين في الأرض لا يستوون أبدا‏ ,‏ وأن مقيمي عدل الله في الأرض والظالمين للخلق لا يستوون أبدا‏ ,‏ ولذلك أخذ الحق‏ (تبارك وتعالى‏)‏ العهد على ذاته العلية بعقاب كل كافر‏ ,‏ ومشرك‏ ,‏ وفاسق ومفسد وظالم فقال‏ (عز من قائل‏) : " وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ‏" (السجدة:13) .

‏من ركائز العبادة في سورة السجدة :
‏(1)‏ السجود لله‏ (تعالى‏)‏ وتسبيحه فور تذكير المسلم بآيات الله المقروءة أو المنظورة‏ .‏
‏(2)‏ تحاشي الكبر في النفس‏ ,‏ والاستكبار على الخلق لأن الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ يبغضه‏ .‏
‏(3)‏ تجافي الجنوب عن المضاجع قياما لليل‏ ,‏ وتوجها إلى الله‏ (جل شأنه‏)‏ بالدعاء في جوف الليل خوفا وطمعا وهذه الساعات من ساعات الإجابة التي لا يرد فيها الدعاء‏ .‏
‏(4)‏ الحرص على الإنفاق مما رزق الله‏ (تعالى‏)‏ في سبيله‏ .‏
‏(5)‏ النهي عن الفسوق والعصيان,‏ وعن الظلم والطغيان,‏ وعن الإجرام والإفساد في الأرض‏ .‏

من الإشارات الكونية في سورة السجدة :
‏(1)‏ الإشارة إلى خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام‏ (أي ست مراحل متتالية‏)‏ يحاول العلم المكتسب اليوم تفسيرها‏ (كما جاء في الآية الرابعة من سورة السجدة‏) ,‏ وما تحويه هذه الآية الكريمة من إيحاء بوسطية الأرض من السماوات‏ ,‏ وهو ما لا يقوي علماء الفلك اليوم على إدراكه‏ .‏ وعلم الفلك في قمة من قممه وكشوفاته‏ .‏
‏(2)‏ الإشارة إلى وجود سرعات كونية فائقة‏ (تفوق سرعة الضوء‏)‏ قبل أن يدرك الإنسان سرعة الضوء بقرون طويلة‏ (الآية الخامسة من سورة السجدة‏) .‏
‏(3)‏ التأكيد على أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو "الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين " (السجدة‏ :7)‏ .
‏(4)‏ إثبات أن الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ قد جعل نسل الإنسان من سلالة من ماء مهين‏ ,‏ ثم سواه ونفخ فيه من روحه‏ (أي أثناء مرحلة الجنين‏) (السجدة‏:9,8)‏ .
‏(5)‏ الإشارة إلى أن الخالق العظيم قد جعل للناس السمع والأبصار والأفئدة ليتمتعوا بها وباستخداماتها المختلفة في الدنيا‏ ,‏ ولعلهم أن يكونوا من الشاكرين‏ .‏ وتقديم السمع على الأبصار في هذه الآية الكريمة‏ ,‏ وفي العديد غيرها من سور القرآن الكريم فيه إلماح إلى سبق تكون حاسة السمع لتكون حاسة الإبصار في مراحل تكون الجنين في الإنسان‏ ,‏ وفي غيره من مخلوقات الله‏ .
‏(6)‏ تشبيه بعث الموتى من قبورهم في يوم القيامة بإخراج النبات من الأرض في هذه السورة المباركة‏ ,‏ وفي غيرها من سور القرآن الكريم‏ ,‏ وقد بدأت البحوث العلمية في قضية عجب الذنب‏ (وهو نهاية العصعص‏)‏ تثبته وتؤكده‏ .
‏(7)‏ الدقة العلمية الشديدة في اختيار لفظ‏ (الجرز‏)‏ في قول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا‏ " (السجدة‏ :27)‏ , لأن‏ (الجرز‏)‏ في اللغة هو القطع‏ ,‏ و‏ (الأرض الجرز‏)‏ هي التي قطع نباتها بالرعي الجائر أو الحش الجائر‏ ,‏ أو التي يبس نباتها وجف واندثر لانقطاع الماء عنها‏ ,‏ ولكن تبقى الأرض صالحة للزراعة بتربتها ومخزونها من بقايا الحياة النباتية والحيوانية المدفونة فيها‏ ,‏ ولا يقال للأرض التي لا تنبت كالسباخ مثلا‏ (أرض جرز‏)‏ لأن تربتها غير صالحة للإنبات أصلا وعلى ذلك فلا يمكن أن يكون قد نما فيها غطاء خضري ثم اجتث بالقطع‏ ,‏ أو يبس واندثر لندرة الماء الصالح للري‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا السبع السابقة تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الثالثة منها والتي جاء ذكرها في الآية السابعة من سورة السجدة‏ ,‏ ولكن قبل الوصول إلى ذلك لابد من استجلاء آراء عدد من المفسرين في شرح دلالة هذه الآية الكريمة‏ .‏

من أقوال المفسرين
في تفسير قوله‏ (تعالى‏) :‏ " الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ ‏" (السجدة‏:7)‏ .
-‏ ذكر ابن كثير‏ (رحمه الله‏)‏ ما مختصره‏ :‏ يقول تعالى مخبرا أنه الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها‏ ,‏ قال زيد بن أسلم‏ : "‏ الذي أحسن كل شيء خلقه ‏" (السجدة‏:7)‏‏ أي‏ :‏ أحسن خلق كل شيء‏ , ثم لما ذكر تعالى خلق السماوات والأرض‏ ,‏ شرع في ذكر خلق الإنسان‏ ,‏ فقال تعالى‏ : "‏ وبدأ خلق الإنسان من طين‏" (السجدة‏:7)‏ يعني خلق أبا البشر آدم من طين‏.
-‏ وجاء في الظلال‏ (رحم الله كاتبها برحمته الواسعة‏)‏ ما مختصره‏ : ومن إحسانه في الخلق بدء خلق هذا الإنسان من طين‏ .‏ فالتعبير قابل لأن يفهم منه أن الطين كان بداءة ‏ ,‏ وكان في المرحلة الأولي‏ .‏ ولم يحدد عدد الأطوار التي تلت مرحلة الطين ولا مداها ولا زمنها‏ ,‏ فالباب فيها مفتوح لأي تحقيق صحيح‏ ....‏
-‏ وجاء في بقية التفاسير كلام مشابه لا حاجة إلى تكراره‏ .‏

من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
مقدمة لازمة‏ :‏
من القضايا الغائبة عن علم الإنسان غيبة مطلقة قضية الخلق بأبعادها الثلاثة‏ (خلق السماوات والأرض‏ ,‏ وخلق الحياة‏ ,‏ وخلق الإنسان‏) .
وفي ذلك يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) : ‏" مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً ‏" ‏(‏الكهف‏:51)‏ , وقد جاء الفعل‏ (خلق‏)‏ بمشتقاته في القرآن الكريم في اثنتين وخمسين ‏(52)‏ موضعا‏ .‏
ومن هذه القضايا الغيبية غيبة كاملة قضايا الإفناء‏ ,‏ والبعث‏ ,‏ والنشور وفي ذلك يقول ربنا‏ (جل شأنه‏) :‏ " قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ " (النمل‏:65)‏ .
ويقول‏ (عز من قائل‏) :‏ " وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَآ . قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ المُرْسَلُونَآ . إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ‏" (يس:51‏-‏53)‏ .
ويقول‏ (سبحانه وتعالى‏) :‏ " وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ المُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍآ . يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإلينَا المَصِيرُآ . يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ علينَا يَسِيرٌ ‏" (ق‏:41‏-‏44) .‏
وقد جاء الفعل‏ (بعث بمشتقاته في سبعة وستين‏ (67)‏ موضعا من القرآن الكريم منها‏ (27)‏ مرة بمعني أرسل‏ ,‏ أو الإرسال والخروج‏ ,‏ و ‏(3)‏ مرات بمعني الإيقاظ من النوم‏ ,‏ و‏ (37)‏ مرة بمعني الإحياء من الموت‏ .‏
كذلك جاء الفعل‏ (خرج‏)‏ بمشتقاته بمعني البعث‏ (11)‏ مرة‏ ,‏ وجاء الفعل‏ (ينسلون‏)‏ مرة واحدة بمعني الخروج من القبور‏ ,‏ وجاء الفعل‏ (نشر‏)‏ بمشتقاته ‏(7)‏ مرات بمعني البعث‏ .‏
وعلى الرغم من هذه الغيبة المطلقة لكل من قضايا الخلق والبعث إلا أن الله‏ (تعالى‏)‏ يطالبنا في محكم كتابه بالنظر والتأمل والتفكر فيها فيقول‏ (عز من قائل‏) :‏ " أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌآ . قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " ‏(‏العنكبوت:20,19)‏ .
والجمع بين هذه الآيات‏ (الكهف‏:51 ,‏ النمل‏:65 ,‏ يس‏:51‏-‏53 ,‏ ق‏:41‏-‏44 ,‏ والعنكبوت‏:20,19)‏ والعديد غيرها‏‏ يوضح لنا أنه على الرغم من غيبة عمليات الخلق والبعث غيبة كاملة عن مشاهدة الإنسان‏ ,‏ إلا أن الله‏ (تعالى‏)‏ قد أبقى لنا في أجسادنا‏ ,‏ وفي الأرض من تحت أقدامنا‏ ,‏ وفي السماء من حولنا من الشواهد الحسية ما يمكن أن يعين الإنسان ـ بحسه المحدود‏ ,‏ وقدراته المحدودة ـ على أن يصل إلى تصورات صحيحة لها‏ ,‏ ولكيفيات حدوثها إذا آمن بأن الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ هو خالق كل شيء‏ (الزمر:62 ,‏ غافر:62) ,‏ وأنه‏ (تعالى‏)‏ هو الخالق البارئ المصور‏ (الحشر‏:24) ,‏ وأنه‏ (جل شأنه‏)‏ هو الخلاق العليم‏ (الحجر‏:86 ,‏ يس‏:81)‏ وآمن بخاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وبما جاء به من الدين الخاتم المهيمن على كل الرسالات والحافظ لها والمتمم عليها‏ ,‏ وفي هذا الدين الخاتم تبيان كيفيات الخلق والإفناء والبعث بصورة كلية شاملة‏ ,‏ وهي في نفس الوقت دقيقة وفاصلة‏ ,‏ ولكن إذا اقتصر الإنسان في نظرته إلى هذه القضايا على مشاهداته المادية وحدها دون إيمان بالخلق والخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ فإنه يتوه عن الحقيقة‏ ,‏ ويضل ضلالا بعيدا‏ ,‏ كما حدث في طروح نظرية التطور العضوي‏ ,‏ والتي حرصت على وضع الطبيعة مكان الله الخالق في كل شيء‏ . . .!!‏

" الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ " (‏السجدة‏ :7).

من الأخطاء الرئيسية في نظرية التطور العضوي :
على الرغم من عدم كمال السجل المتوافر لبقايا الحياة القديمة في صخور الأرض‏ (السجل الأحفوري‏)‏ إلا أنه أثبت بجلاء أن أرضنا قد عمرتها موجات من الحياة التي بدأت قليلة في العدد وبسيطة في التركيب‏ ,‏ ثم أخذت في التزايد في كل من العدد وتعقيد البناء عبر فترة تقدر بنحو الأربعة بلايين من السنين‏(3 ,8‏ بليون سنة‏)‏ حتى وصلت إلى مستوى الحياة الأرضية الحالي‏ ,‏ ولكن هذه الملاحظة الصحيحة استخدمت في ظل الحضارة المادية المعاصرة لنفي الخلق‏ ,‏ وإنكار الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بناء على عدد من الاستنتاجات الخاطئة التي منها ما يلي‏ :‏

‏(1)‏ الافتراض الخاطئ بعشوائية الخلق‏ :‏
يدعي هذا الافتراض أنه إذا كانت الحياة قد تدرجت زيادة في العدد وتعقيدا في البناء عبر هذه الفترة الزمنية الطويلة فلابد وأنها بدأت ذاتيا بمحض الصدفة من مواد غير حية دون تخطيط مسبق‏ ,‏ بواسطة تفاعل أشعة الشمس مع طين الأرض الذي أدي إلى تكوين عدد من الأحماض الأمينية التي تجمعت بمحض الصدفة‏ ,‏ وارتبطت جزيئاتها وتشابكت تشابكا صحيحا بمحض الصدفة أيضا لتكون عددا من الجزيئات البروتينية العملاقة التي تجمعت فوق بعضها البعض بطريقة عشوائية كذلك لتبني جسد أول خلية حية‏ ,‏ وبتواصل عمليات الانقسام المتتابعة استطاعت هذه الخلية الحية أن تعطي ملايين الأنواع المختلفة للحياة والتي مثل كل نوع منها بأعداد لا تكاد أن تحصي من الأفراد‏ ,‏ وهو افتراض ساذج ترفضه كل الملاحظات العلمية الدقيقة لأسباب كثيرة أبسطها أن كلا من الأحماض الأمينية‏ ,‏ والجزيئات البروتينية التي تنبني منها الخلايا الحية هي على قدر من التعقيد في البناء‏ ,‏ ولها من الضوابط المحددة لكيفيات الترابط مع بعضها البعض ما ينفي إمكانية تكونها بمحض الصدفة‏ ,‏ هذا بالإضافة إلى كون الخلية الحية المفردة تفوق في تعقيد بنائها كل ما استطاع الإنسان أن يبنيه من مصانع‏ ,‏ فضلا عن كل ما فكر فيه دون أن يتمكن من إنشائه‏ ,‏ مما ينفي كل أحلام العشوائية والصدفة في إنتاج جزئ بروتيني واحد فضلا عن خلية حية واحدة في طول عمر الكون وأضعافه‏ .‏

‏(2)‏ الافتراض الخاطئ بعشوائية التدرج في الخلق‏ :‏
تفترض نظرية التطور العضوي أن عمليات الانقسام المتسلسل للخلية الحية الأولي كي تعطي هذا العدد الهائل من الخلق المتنوع تنوعا مذهلا قد تمت كذلك بمحض العشوائية والصدفة‏ ,‏ والكشوف العلمية الحديثة تؤكد أن عمليات انقسام الخلية الحية لا تتم دون وجود أوامر داخلية من الشفرة الوراثية في نواة الخلية‏ ,‏ وهي بناء أكثر تعقيدا من جميع ما يمكن أن يتخيله عقل الإنسان من نظم‏ ,‏ وأن كل نوع من أنواع الحياة له شفرته الوراثية الخاصة به‏ ,‏ والتي تحملها أعداد محددة من الصبغات‏ (حاملات الوراثة‏) ,‏ وعلى ذلك فلا يمكن أن تتم عمليات الانقسام والتكاثر بطريقة عفوية‏ ,‏ وبالتالي لا يمكن أن تتم عملية إعمار الأرض بأنماط متدرجة من صور الحياة بطريقة عشوائية‏ .‏

وينفي افتراض العشوائية والصدفة كذلك وجود العديد من حالات الاندثار المفاجئ لمجموعات الحياة الأرضية‏ ,‏ والظهور المفاجئ لمجموعات أخري دون أية مراحل متوسطة‏ ,‏ وتنفيه كذلك الأدوار التي لعبتها مجموعات الحياة في كل مرحلة من مراحل تاريخ الأرض الطويل في تهيئة ظروفها البيئية لاستقبال المجموعات اللاحقة في شيء من التكامل الدقيق والمعجز حقا‏ ,‏ وذلك من مثل سبق الحياة المائية للحياة على اليابسة‏ ,‏ وسبق الحياة النباتية للحياة الحيوانية بصفة عامة‏ ,‏ وعلى اليابسة بصفة خاصة مما يؤكد التدبير والقصد في الخلق‏ ,‏ وينفي أية إمكانية للعشوائية والصدفة‏ .‏

‏(3)‏ الادعاء الباطل بربط الإنسان بالحياة الحيوانية السابقة على خلقه‏ :‏
تفترض نظرية التطور العضوي أنه إذا كانت الحياة قد وجدت بعملية ذاتية‏ ,‏ عشوائية‏ ,‏ بمحض الصدفة‏ ,‏ وتطورت كذلك بنفس الأسلوب لتعطي ملايين الأنواع‏ ,‏ وأعدادا لا تحصي من الأفراد لكل نوع‏ ,‏ فما الذي يمنع الإنسان من كونه النهاية الحتمية لهذه العملية التطورية المحضة؟ .
وإذا انهار الافتراضان الأولان للنظرية انهار هذا الادعاء الباطل أيضا‏ ,‏ ويعين على انهياره أن كلا من الصفات التشريحية الخاصة بجسم الإنسان والتي أشرنا إليها في مقال سابق‏ ,‏ والمميزات والملكات الضمنية والمعنوية المميزة التي خص الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بها هذا المخلوق المكرم ومنها‏ :‏ الذكاء الملحوظ‏ ,‏ والقدرات المتعددة على الإدراك‏ ,‏ والشعور‏ ,‏ والانفعال‏ ,‏ والتعبير‏ ,‏ والتعلم‏ ,‏ والنطق بالكلام المنطقي المرتب‏ ,‏ واكتساب المهارات‏ ,‏ والقدرة على التعليم ونشر المعرفة وغيرها‏ ,‏ كذلك فإن الصفات الوراثية الخاصة والتسلسل الجيني للإنسان وكل منهما ينتهي بجميع أفراد الجنس البشري الذين يملأون جنبات الأرض اليوم‏ ,‏ والذين عاشوا وماتوا‏ ,‏ والذين سوف يأتون من بعدنا إلى قيام الساعة‏ ,‏ تنتهي بكل هؤلاء إلى شفرة وراثية واحدة استمدت من أب واحد وأم واحدة هما أبونا آدم وأمنا حواء‏ (عليهما السلام‏) ,‏ وصدق الله العظيم إذ يقول‏ :‏ " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عليكُمْ رَقِيباً "‏ (النساء‏ :1)‏ .
لذلك فإنه إذا قال ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ في وصف ذاته العلية‏ :‏ " الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ ‏" (السجدة‏ :7)‏ .

لا يملك عاقل إلا أن يقول‏ :‏ سمعنا وأطعنا‏ ,‏ لأن الحياة سر لا يعلمه إلا الله‏ (تعالى‏)‏ فنحن نعرف تركيب الخلية الحية‏ ,‏ ولكن لا يستطيع الإنسان بناءها‏ ,‏ ونحن نرى كيف تحول الكائنات الحية الغذاء المستمد من طين الأرض إلى خلايا حية تنمو وتتكاثر بها‏ ,‏ وتتجدد أجسادها منها‏ ,‏ ولكننا لا نستطيع أن ندرك سر ذلك كله‏ ,‏ كذلك فإننا نرى قدرا من التشابه في التركيب الكيميائي لجسم الإنسان مع تركيب طين الأرض فكلاهما يحتوي على الماء بنسب كبيرة‏ (الأكسجين والهيدروجين‏) ,‏ وعلى نسب أقل من كل من الكالسيوم‏ ,‏ الصوديوم‏ ,‏ والبوتاسيوم‏ ,‏ والمغنسيوم‏ ,‏ والحديد‏ ,‏ والمنجنيز‏ ,‏ والكبريت‏ ,‏ والفوسفور‏ ,‏ والكلور‏ ,‏ والفلور‏ ,‏ واليود‏ .‏ وجسم الإنسان يحتوي على نسب عالية من الكربون‏ ,‏ ونسبة اقل من النيتروجين وكذلك الطين الغني ببقايا الحياة أو المتعطن‏ ,‏ المليء بالغازات‏ ,‏ والطين عادة ما يحتوي على سليكات الألومنيوم المميأة‏ (معادن الصلصال‏) ,‏ وجسم الإنسان لا يخلو من نسب ضئيلة منها‏ ,‏ ولذلك ذكر القرآن الكريم الخلق من تراب‏ (آل عمران‏ :59 ,‏ الكهف‏ :37 ,‏ الحج‏ :5 ,‏ الروم‏ :20 ,‏ فاطر‏ :11 ,‏ غافر‏ :67)‏ ومن طين‏ (السجدة‏ :7) ,‏ ومن سلالة من طين‏ (المؤمنون‏ :12 ,‏ ص‏ :71 :76‏ الإسراء‏ :61 ,‏ الأنعام‏ :2)‏ ومن طين لازب‏ (الصافات‏ :11) ,‏ ومن صلصال من حمأٍ مسنون‏ (الحجر‏ :33 ,28 ,26)‏ ومن صلصال كالفخار‏ (الرحمن‏ :14)‏ وكلها مراحل متتالية في عملية الخلق‏ .‏

ولذلك أيضا قال ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ‏" (طه‏:55)‏ .
وقال‏ (عز من قائل‏) : ‏" وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاًآ . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً "‏ (نوح:18,17)‏ .
ونحن نرى الجنين في بطن أمه ينمو بتغذية من غذائها‏ ,‏ وأصله من طين الأرض‏ ,‏ ونرى نمو الأطفال‏ ,‏ وتجدد أجساد البالغين ,‏ مما يتناولون من طعام أصله من طين الأرض ,‏ فليس غريبا أن يكون خلق أبينا آدم‏ (عليه السلام‏)‏ وهو الإنسان الأول من طين ,‏ ويبقى السر في تحويل الطين إلى الخلايا الحية والأنسجة المتخصصة‏ ,‏ والأعضاء النابضة ‏,‏ والنظم المتعاونة في دقة مبهرة من أعظم أسرار الخلق ومن شواهد طلاقة قدرة الخالق ‏(سبحانه وتعالى‏)‏ الذي أنزل القرآن بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله ‏,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه على مدى أربعة عشر قرنا أو يزيد وإلى أن يرث الأرض ومن عليها‏ ,‏ حتى يكون حجة على الخلق أجمعين ‏.‏
فالحمد لله على نعمة الإسلام‏ ,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏ ,‏ والصلاة والسلام على النبي الخاتم الذي تلقاه ,‏ وعلى آله وصحبه ‏,‏ ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.