اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ القَمَرُ

الإعجاز العلمي
أدوات القراءة
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

" اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ القَمَرُ ‏ " (القمر :1).

هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في مطلع سورة القمر‏ ،‏ وهي سورة مكية‏ ،‏ يدور محورها حول قضية الإيمان بوحي السماء الذي أنزله ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ على فترة من الرسل‏ ،‏ وأتمه وأكمله‏ ،‏ وحفظه في الوحي الخاتم المنزل على الرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ;‏ ولذلك تحمل السورة على المكذبين ببعثته الشريفة‏ ،‏ وبالآيات التي أيده الله‏ (تعالى‏)‏ بها‏ ،‏ وفي مقدمتها القرآن الكريم‏ ،‏ وذلك انطلاقا من غرورهم‏ ،‏ وكبرهم‏ ،‏ وغطرستهم‏ ،‏ وصلفهم‏ ،‏ وتتوعدهم الآيات بالشقاء في الدنيا وبالمصير المخزي في الآخرة كما حدث مع الذين كذبوا بالرسالات السابقة‏ .‏
وتطالب سورة القمر رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بالإعراض عن هؤلاء الكافرين‏ ،‏ وإمهالهم إلى يوم البعث العظيم‏ ،‏ يوم يخرجون من قبورهم كأنهم جراد منتشر‏ ...‏ وهو يوم الفزع الأكبر‏ ،‏ والهول الأكبر الذي نسأل الله‏ (تعالى‏)‏ أن يجيرنا من فزعه وأهواله‏ ...‏ اللهم آمين‏ .‏
وقد ابتدأت سورة القمر بالتحذير من اقتراب وقت الساعة‏ ،‏ ومن الثابت عن رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ قوله الشريف‏ :‏ " بعثت أنا والساعة هكذا وأشار بإصبعيه السبابة والوسطي ‏" (البخاري ومسلم) .‏

ثم تابعت السورة بذكر تلك المعجزة الحسية ـ معجزة انشقاق القمرـ التي أجراها ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ تأييدا لخاتم أنبيائه ورسله في مواجهة تكذيب مشركي قريش لنبوته ولرسالته‏ ،‏ وعلى الرغم من وقوع المعجزة ـ التي لم ينكرها أحد منهم ـ فإنهم بدلا من أن يؤمنوا بها اتهموا رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بالسحر‏ ،‏ وهم الذين لم يشهدوا عليه كذبا أبدا‏ ،‏ وذلك انطلاقا من كبرهم وعنادهم واتباعهم لأهوائهم‏ ،‏ ولم تزجرهم عن ذلك الأنباء‏ ،‏ ولم تغنهم النذر‏ ...!!‏
ومن قبيل تذكير هؤلاء الكافرين بمصائرهم استعرضت سورة القمر مصارع المكذبين في عدد من الأمم السابقة ومنهم أقوام نوح‏ ،‏ وعاد‏ ،‏ وثمود‏ ،‏ ولوط‏ ،‏ وفرعون‏ ،‏ مؤكدة أن كفار قريش لم يكونوا بأقوى ولا بأشد من تلك الأمم السابقة عليهم‏ (والخطاب هنا يشمل المتجبرين من الكفار والمشركين في زماننا‏ ،‏ وفي كل زمان من أمثال الصهاينة المجرمين وإبادتهم المستمرة لشعب فلسطين‏ ،‏ والأمريكان وأعوانهم من المتجبرين على شعب أفغانستان وغيره من شعوب العالمين العربي والإسلامي‏ ،‏ وكل من الروس‏ ،‏ والهندوس‏ ،‏ والبوذيين واستباحتهم لأراضي كل من الشيشان‏ ،‏ وكشمير‏ ،‏ وأراكان‏ ،‏ وجنوب الفلبين‏ ،‏ وغيرهم ممن يستبيح أراضي الصومال‏ ،‏ والسودان‏ ،‏ وسبتة ومليلية والجزر المحيطة بهما‏ ،‏ أو يقوم بمحاصرة العديد من الدول المسلمة مثل العراق‏ ،‏ وليبيا‏ ،‏ والسودان‏) .‏
وفي نهاية كل خبر من أخبار الأمم البائدة تدعو السورة الكريمة كفار قريش ـ كما تدعو الكفار والمشركين في زماننا وفي كل زمان ومكان إلى الاعتبار والتذكر وذلك بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ " ؟ (‏القمر:15) .‏
أو بقوله‏ (عز من قائل‏) :‏ " فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ " (القمر:30،21،16) .‏

وقد تكررت هذه الآية الكريمة ثلاث مرات في سياق السورة‏ .‏
وبين كل خبر من أخبار تلك الأمم الهالكة والذي يليه تنبه سورة القمر إلى حقيقة أن القرآن الكريم ميسر لكل من يطلبه‏ ،‏ ويطلب العظة والاعتبار منه‏ ،‏ ولذلك تكرر في ثنايا هذه السورة المباركة أربع مرات قول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ‏ (القمر‏:40،32،22،17) .‏
وبعد هذا الاستعراض التاريخي المعجز عاودت سورة القمر توجيه الحديث إلى كفار قريش ـ كما توجهه إلى كفار اليوم وإلى كفار كل يوم حتى قيام الساعةـ محذرة إياهم من مصير كمصائر المكذبين السابقين أو أشد وأنكى‏ ،‏ في الدنيا قبل الآخرة‏ ،‏ ومذكرة إياهم بمواقف الذل والمهانة التي سوف يتعرضون لها في الآخرة‏ ،‏ وفي ذلك يقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلائِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِآ . أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌآ . سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَآ . بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّآ . إِنَّ المُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍآ . يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وَجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ " ‏(القمر‏:43-‏48) .‏

وبعد تأكيد أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو خالق كل شيء بتقدير دقيق‏ ،‏ وحكمة بالغة‏ ،‏ وأن أمره سبحانه‏ (واحدة كلمح بالبصر‏) ،‏ وأن الاعتبار بهلاك الأمم البائدة من صميم التعقل ومن حسن الاستفادة بدروس التاريخ‏ ،‏ وأن كل ما فعلته تلك الأمم‏ ،‏ ويفعله غيرهم من الخلق مدون‏ ،‏ ومسطر‏ ،‏ ومسجل عليهم‏ ،‏ وأنهم سوف يواجهون به‏ ،‏ ويحاسبون عليه يوم القيامة‏ .‏

بعد استعراض ذلك كله ختمت سورة القمر ببيان منازل التكريم التي أعدت للمتقين من عباد الله الصالحين والتي ختمها الحق‏ (تبارك وتعالى‏)‏ بقوله‏ (عز من قائل‏) :‏
" إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍآ . فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ " (القمر:55،54) .‏
وجوانب الإعجاز في سورة القمر تشمل إثبات حقيقة انشقاق القمر‏ ،‏ ومواقف كفار قريش منها‏ ،‏ ووصف خروج الناس من قبورهم كأنهم جراد منتشر‏ ،‏ وتشمل الإعجاز التاريخي بذكر عدد من الأمم السابقة‏ ،‏ وذكر مواقفهم من أنبيائهم ورسلهم‏ ،‏ ومن وحي الله‏ (تعالى‏)‏ إليهم‏ ،‏ وذكر ما أصابهم من مختلف صور العذاب جزاء استكبارهم وصلفهم‏ ،‏ وإنكار رسالة السماء إليهم‏ ،‏ ثم جاءت الكشوف العلمية والأثرية في القرن العشرين مؤكدة صدق كل ما جاء في هذه السورة المباركة‏ ،‏ وفي غيرها من سور القرآن الكريم عن تلك الأمم البائدة‏ .‏

وسوف يتم التركيز هنا على قضية انشقاق القمر‏ ،‏ وهي معجزة خارقة‏ ،‏ لا يكاد العقل البشري أن يتصورها‏ ،‏ ولكن من رحمة الله بنا أن أبقي لنا في صخور القمر من الشواهد الحسية ما يؤكد وقوعها‏ ...!!‏ وأعان الإنسان على الوصول إلى تلك الشواهد حتى تقوم الحجة البالغة على الناس في عصر العلم والتقنية الذي نعيشه بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏ ،‏ وأن النبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه كان موصولا بالوحي‏ ،‏ ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض‏ ،‏ وقبل الحديث عن معجزة انشقاق القمر لابد من استعراض لأقوال عدد من المفسرين في شرح هذه الآية القرآنية الكريمة‏ .

ذكر ابن كثير‏ (يرحمه الله‏)‏ ما نصه‏ :‏ يخبر تعالى عن اقتراب الساعة وفراغ الدنيا وانقضائها‏ ،‏ كما قال تعالى‏ :‏ " أتي أمر الله فلا تستعجلوه "‏ (النحل:1) ،‏ وقال‏ :‏ " اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون "‏ (الأنبياء:1) ،‏ وقد وردت الأحاديث بذلك‏ ...‏ وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ،‏ وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات‏ .‏
وجاء في تفسير الجلالين‏ (رحم الله كاتبيه برحمته الواسعة‏)‏ ما نصه‏ : (اقتربت الساعة‏)‏ قربت القيامة‏ (وانشق القمر‏)‏ انفلق فلقتين على جبلي أبي قبيس وقعيقعان‏ ،‏ آية له صلى الله عليه وسلم‏ ،‏ وقد سئلها‏[‏ أي‏ :‏ سأله أهل مكة أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر‏]‏ فقال‏ : (اشهدوا‏)‏ رواه الشيخان‏ .‏

وذكر صاحب الظلال‏ (رحمه الله رحمة واسعة‏)‏ ما نصه‏ :‏ مطلع باهر مثير‏ ،‏ على حادث كوني كبير‏ ،‏ وإرهاص بحادث أكبر‏ ،‏ لا يقاس إليه ذلك الحدث الكوني الكبير‏ :‏ اقتربت الساعة وانشق القمر فياله من إرهاص‏!‏ وياله من خبر‏ ،‏ ولقد رأوا الحدث الأول فلم يبق إلا أن ينتظروا الحدث الأكبر‏;‏ والروايات عن انشقاق القمر ورؤية العرب له في حالة انشقاقه أخبار متواترة‏ ،‏ تتفق كلها في إثبات وقوع الحادث‏ ....‏

وبعد استعراض لعدد من الروايات أضاف صاحب الظلال‏ (يرحمه الله‏) :‏ فهذه روايات متواترة من طرق شتي عن وقوع هذا الحادث‏ ،‏ وتحديد مكانه في مكة ـ باستثناء رواية لم نذكرها عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه‏ ،‏ أنه كان في منيـ وتحديد زمانه في عهد النبي‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ قبل الهجرة‏ ،‏ وتحديد هيئته ـ في معظم الروايات أنه انشق فلقتين‏ ،‏ وفي رواية واحدة أنه كسف‏ (أي خسف‏) . .‏ فالحادث ثابت من هذه الروايات المتواترة المحددة للمكان والزمان والهيئة‏ .‏

وهو حادث واجه به القرآن المشركين في حينه‏ ،‏ ولم يرو عنهم تكذيب لوقوعه‏ ،‏ فلابد أن يكون قد وقع فعلا بصورة يتعذر معها التكذيب‏ ،‏ ولو على سبيل المراء الذي كانوا يمارونه في الآيات‏ ،‏ لوجدوا منفذا للتكذيب‏ .‏ وكل ما روي عنهم أنهم قالوا‏ :‏ سحرنا‏!‏ ولكنهم هم أنفسهم اختبروا الأمر‏ ،‏ فعرفوا أنه ليس بسحر‏;‏ فلئن كان قد سحرهم فإنه لا يسحر المسافرين خارج مكة الذين رأوا الحادث وشهدوا به حين سئلوا عنه‏ .‏

وأضاف‏ (يرحمه الله‏) :‏ بقيت لنا كلمة في الرواية التي تقول‏ :‏ إن المشركين سألوا النبي‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ آية‏ ،‏ فانشق القمر‏ .‏ فإن هذه الرواية تصطدم مع مفهوم نص قرآني مدلوله أن الرسول‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ لم يرسل بخوارق من نوع الخوارق التي جاءت مع الرسل قبله‏ ،‏ لسبب معين‏ :‏ " وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ " (الإسراء:59) .
فمفهوم هذه الآية أن حكمة الله اقتضت منع الآيات ـ أي الخوارق ـ لما كان من تكذيب الأولين بها‏ ...‏ فالقول بأن انشقاق القمر كان استجابة لطلب المشركين آية ـ أي خارقة ـ يبدو بعيدا عن مفهوم النصوص القرآنية‏ ،‏ وعن اتجاه هذه الرسالة الأخيرة إلى مخاطبة القلب البشري بالقرآن وحده‏ ،‏ وما فيه من إعجاز ظاهر‏ ،‏ ثم توجيه هذا القلب ـ عن طريق القرآن ـ إلى آيات الله القائمة في الأنفس والآفاق‏ ،‏ وفي أحداث التاريخ سواء‏ ...‏ فأما ما وقع فعلا للرسول‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ من خوارق شهدت بها روايات صحيحة فكان إكراما من الله لعبده‏ ،‏ لا دليلا لإثبات رسالته‏ ...‏ ومن ثم نثبت الحادث ـ حادث انشقاق القمر ـ بالنص القرآني وبالروايات المتواترة التي تحدد مكان الحادث وزمانه وهيئته‏ ،‏ ونتوقف في تعليله الذي ذكرته بعض الروايات‏ ،‏ ونكتفي بإشارة القرآن إليه مع الإشارة إلى اقتراب الساعة‏ ،‏ باعتبار هذه الإشارة لمسة للقلب البشري ليستيقظ ويستجيب‏ ...‏

وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ (رحم الله كاتبه رحمة واسعة‏)‏ ما نصه‏ : " اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ "‏ قربت القيامة جدا‏ . " وَانشَقَّ القَمَرُ ‏"‏ وانفلق فلقتين معجزة له صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قبل الهجرة بنحو خمس سنين‏ ،‏ حين سأله أهل مكة أن يريهم آية تدل على صدقه‏ ،‏ فأراهم القمر فلقتين حتى رأوا جبل حراء بينهما‏ ،‏ فقال صلى الله عليه وسلم‏ :‏ اشهدوا‏ !!‏ " وقد رآه كثير من الناس‏;‏ والأحاديث الصحيحة في هذه المعجزة كثيرة‏ .‏ وقيل‏ :‏ اقتربت الساعة‏ ،‏ فإذا جاءت انشق القمر بعد النفخة الثانية‏ .‏
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ (جزاهم الله خيرا‏)‏ ما نصه‏ :‏ دنت القيامة وسينشق القمر لا محالة‏ .‏
وجاء في صفوة التفاسير‏ (جزي الله كاتبها خيرا‏)‏ ما نصه‏ : ...‏ أي دنت القيامة وقد انشق القمر‏ .‏

واقعة انشقاق القمر في التراث الإسلامي :
رويت واقعة انشقاق القمر عن طريق عدد كبير من صحابة رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ منهم عبد الله بن مسعود‏ ،‏ وعبد الله بن عباس‏ ،‏ وعبد الله بن عمر‏ ،‏ وأنس بن مالك‏ ،‏ وجبير بن مطعم وغيرهم‏ (رضي الله تبارك وتعالى عنا وعنهم أجمعين‏) .‏
فقد روى الإمام البخاري في صحيحه وأخرج الإمام أحمد في مسنده‏ ،‏ وروى كل من الإمامين أبي داود والبيهقي عن عبد الله بن مسعود‏ (رضي الله عنه‏)‏ قوله‏ :‏ انشق القمر على عهد رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ فقالت قريش‏ :‏ هذا سحر بن أبي كبشة‏ ،‏ قال‏ :‏ فقالوا‏ :‏ انظروا ما يأتيكم به السفار‏ ،‏ فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم‏ ،‏ قال‏ :‏ فجاء السفار فقالوا ذلك‏ .‏ وفي لفظ انظروا السفار‏ ،‏ فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق‏ ،‏ وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به‏ ،‏ قال‏ :‏ فسئل السفار‏ ،‏ قال‏ :‏ وقدموا من كل جهة‏ ،‏ فقالوا‏ :‏ رأينا‏ ،‏ فأنزل الله عز وجل‏ : " اقتربت الساعة وانشق القمر " .‏ وروي عنه أيضا قوله‏ :‏ انشق القمر على عهد رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ فرقتين‏ :‏ فرقة فوق الجبل‏ ،‏ وفرقة دونه‏ ،‏ فقال رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) :‏ اشهدوا‏ .‏ كذلك روى كل من الإمامين البخاري وأحمد عن أنس بن مالك‏ (رضي الله عنه‏)‏ أنه قال‏ :‏ إن أهل مكة سألوا رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ أن يريهم آية‏ ،‏ فأراهم انشقاق القمر‏ .‏
وروى الإمام البيهقي‏ ،‏ كما أخرج كل من الأئمة البخاري ومسلم والترمذي‏ (جزاهم الله خيرا‏)‏ عن عبد الله بن عمر‏ (رضي الله عنهما‏)‏ قوله‏ : ...‏ وقد كان ذلك على عهد رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ،‏ انشق فلقتين‏ ،‏ فلقة من دون الجبل‏ ،‏ وفلقة من خلف الجبل‏ ،‏ فقال النبي‏ (صلى الله عليه وسلم‏) :‏ اللهم اشهد‏ .‏

وروي كل من الإمامين البخاري ومسلم‏ (رحمهما الله‏)‏ عن عبد الله بن عباس‏ (رضي الله عنهما‏)‏ قوله‏ :‏ انشق القمر في زمان النبي‏ (صلى الله عليه وسلم‏) .‏ كذلك روي ابن جرير عن ابن عباس قوله‏ : ...‏ قد مضي ذلك‏ ،‏ كان قبل الهجرة‏ ،‏ انشق القمر حتى رأوا شقيه‏ .

وروى الإمام أحمد عن جبير بن مطعم‏ (رضي الله عنه‏)‏ قوله‏ :‏ انشق القمر على عهد رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ فصار فرقتين فرقة على هذا الجبل‏ ،‏ وفرقة على هذا الجبل‏ ،‏ فقالوا‏ :‏ سحرنا محمد‏ ،‏ وقال غيرهم‏ :‏ إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم‏ .‏

وروى الإمام ليث عن مجاهد‏ (رضي الله عنه‏)‏ قوله‏ :‏ انشق القمر على عهد رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ فصار فرقتين‏ ،‏ فقال النبي‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ لأبي بكر‏ (رضي الله عنه‏) :‏ اشهد يا أبا بكر‏ ،‏ فقال الكافرون‏ :‏ سحر القمر حتى انشق‏ .‏

وفي إحدى المخطوطات الهندية القديمة والمحفوظة في مكتبة المركز الهندي بمدينة لندن‏ (تحت رقم‏152/2807‏ ـ‏173)‏ ذكر المفكر الإسلامي الكبير الأستاذ الدكتور محمد حميد الله في كتابه المعنون محمد رسول الله أن أحد ملوك ماليبار‏ (وهي إحدى مقاطعات جنوب غربي الهند‏)‏ وكان اسمه شاكر واتي فارماس‏ (Chakarawati Farmas)‏ شاهد انشقاق القمر على عهد رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وأخذ يحدث الناس بذلك‏ .‏

وحدث أن مر عدد من التجار المسلمين بولاية ماليبار‏ ،‏ وهم في طريقهم إلى الصين‏ ،‏ وسمعوا حديث الملك شاكرواتي فارماس عن انشقاق القمر فأخبروه أنهم أيضا قد رأوا ذلك‏ ،‏ وأفهموه أن انشقاق القمر معجزة أجراها ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ تأييدا لخاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في مواجهة تكذيب مشركي قريش لنبوته ولرسالته‏ .‏ فأمر الملك بتنصيب ابنه وولي عهده قائما بأعمال مملكة ماليبار وتوجه إلى الجزيرة العربية لمقابلة المصطفي‏ (صلى الله عليه وسلم‏) .‏ وبالفعل وصل الملك الماليباري إلى مكة المكرمة وأعلن إسلامه أمام رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ،‏ وتعلم ركائز الدين الأساسية‏ ،‏ وأفل راجعا‏ ،‏ ولكن شاءت إرادة الله‏ (تعالى‏)‏ أن ينتهي أجله قبل مغادرته أرض الجزيرة العربية فمات ودفن في أرض ظفار‏ ،‏ وحين وصل الخبر إلى ماليبار كان ذلك حافزا لدخول أهلها الإسلام زرافات ووحدانا‏ .‏

" اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ القَمَرُ ‏ " (القمر :1).

شاهد من عصرنا على انشقاق القمر :
عقب محاضرة لي عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ألقيت باللغة الإنجليزية في كلية الطب بجامعة كاردف عاصمة مقاطعة ويلز في غربي الجزر البريطانية‏ ،‏ دار حوار ممتع مع جمهور الحضور من المسلمين وغير المسلمين‏ ،‏ ومن جملة الأسئلة التي أثيرت من أحد الحضور سؤال عن واقعة انشقاق القمر كما جاء ذكرها في مطلع سورة القمر‏ ،‏ وهل تمثل لمحة من لمحات الإعجاز العلمي في كتاب الله؟ وعلى الفور أجبت بأنها معجزة من المعجزات الحسية العديدة التي حدثت تأييدا لرسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في مواجهة تكذيب كفار قريش لبعثته الشريفة‏ ،‏ وأن المعجزات هي خوارق للسنن والقوانين الحاكمة للكون‏ ،‏ فلا يستطيع العلم الكسبي تفسيرها‏ ،‏ ولو استطاع تفسيرها ما كانت معجزة‏ .‏
وأضفت أن المعجزات الحسية التي جاء ذكرها في كتاب الله‏ ،‏ أو في سنة رسوله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ هي حجج على من شاهدها من الخلق‏ ،‏ وبما أننا لم نشاهدها فهي ليست حجة علينا‏ ،‏ ولكننا نؤمن بوقوعها لورود ذكرها في كتاب الله أو في الأقوال الصحيحة المنسوبة إلى رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ،‏ وكتاب الله كله حق مطلق‏ ،‏ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه‏ ،‏ ورسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ يصفه القرآن الكريم بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىآ . مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىآ . وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى " (النجم:3‏-‏5) .‏
وحادثة انشقاق القمر جاء ذكرها في مطلع سورة القمر‏ ،‏ على أنها قد وقعت بالفعل تحديا لكفار ومشركي قريش‏ ،‏ وتأييدا لرسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في مواجهة تكذيبهم لنبوته ولرسالته‏ ،‏ ولم يرو عن أحد منهم تكذيب تلك الواقعة التي نسبوها تارة لتعرضهم هم لعملية سحر‏ ،‏ وتارة أخري لتعرض القمر للسحر‏ ،‏ حتى هيئ لهم أنه قد انشق بالفعل مما يفهم منه تأييدهم لوقوع تلك المعجزة‏ ،‏ وإن حاولوا التقليل من شأنها بنسبتها إلى السحر‏ ...!! ،‏ ثم عاودوا نفي فرية السحر بأنفسهم وذلك بقول نفر من عقلائهم ـكما جاء في روايات الواقعة :‏ لئن كان قد سحرنا فإنه لا يمكن أن يكون قد سحر معنا المسافرين خارج مكة ‏;‏ فتسارعوا إلى مداخل المدينة في انتظار الركبان القادمين من السفر‏ ،‏ وعند سؤالهم شهدوا بأنهم في الليلة نفسها التي شاهد فيها أهل مكة تلك الواقعة رأوا هم كذلك انشقاق القمر إلى فلقتين تباعدتا عن بعضهما البعض لعدة ساعات ثم التحمتا‏ ،‏ فآمن من آمن وكفر من كفر‏ .‏ ولذلك تقول الآيات في مطلع سورة القمر‏ :‏ " اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ القَمَرُآ . وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّآ . وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّآ . وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌآ . حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ " ‏(القمر‏:1‏-‏5) .‏

كذلك روي حادثة انشقاق القمر بصورة متواترة عدد غير قليل من كبار صحابة رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ من أمثال عبد الله بن عباس‏ ،‏ وعبد الله بن عمر‏ ،‏ وعبد الله بن مسعود‏ ،‏ وأنس بن مالك‏ ،‏ وجبير بن مطعم‏ (رضي الله تبارك وتعالى عنا وعنهم أجمعين‏) ،‏ ولا يمكن أن تجتمع كلمة هؤلاء جميعا على باطل‏ ،‏ وهم من أهل التقي والورع‏ (ولا نزكي على الله أحدا‏) .‏ وقد حقق أحاديث انشقاق القمر عدد كبير من أئمة علماء الحديث في مقدمتهم البخاري‏ ،‏ ومسلم‏ ،‏ وأبو داود‏ ،‏ والترمذي‏ ،‏ والنسائي‏ ،‏ وبن ماجة‏ ،‏ وأحمد‏ ،‏ والبيهقي‏ ،‏ وغيرهم كثير مما يجزم بوقوعها‏ ،‏ ومن هنا فإننا نرفض قول بعض المفسرين إن الحادثة من إرهاصات الآخرة انطلاقا من استهلال السورة بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ القَمَرُ " ‏;‏ وهؤلاء قد لا يعلمون أن عمر الأرض التي نحيا عليها يقدر بنحو خمسة آلاف مليون سنة‏ (على أقل تقدير‏) ،‏ وأن عمر مادة كل من الأرض والكون المحيط بها يقدر بنحو عشرة آلاف مليون سنة‏ (على أقل تقدير‏) ،‏ وأن بعثة المصطفي‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ كانت منذ أربعة عشر قرنا فقط‏ ،‏ ونسبة هذا التاريخ إلى ملايين السنين التي مضت من عمر كل من الأرض والكون يؤكد قرب نهاية العالم‏ .‏ ولذلك يروى عنه‏ (عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم‏)‏ قوله الشريف‏ :‏ " بعثت أنا والساعة هكذا وأشار بإصبعيه السبابة والوسطي‏ " ‏(البخاري ومسلم) وهي قولة حق خالص‏ ،‏ وإعجاز علمي صادق لأنه لم يكن لأحد في زمانه‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ أدني تصور عن قدم الأرض إلى مثل تلك الآماد الموغلة في القدم‏ ;‏ وهذا كاف للرد على الذين قالوا إن في استهلال سورة القمر بالقرار الإلهي اقتربت الساعة وانشق القمر إيحاء بأن انشقاق القمر مرتبط باقتراب الساعة‏ ،‏ بمعني أنها إذا جاءت انشق القمر‏ ،‏ لأن المعجزة قد وقعت فعلا على زمن رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) .‏

وقد يشير إلى ذلك وجود شق كبير بالقرب من القطب الجنوبي للقمر على الوجه الذي لا يري من فوق سطح الأرض يزيد طوله على‏225‏ كيلو مترا ويدعمه عدم تماثل نصفي القمر الحالي‏ ،‏ ويؤكده وصف القرآن الكريم لنهاية القمر بابتلاع الشمس له‏ (لا بانشقاقه‏)‏ وذلك كما جاء في قوله‏ (تعالى‏) :‏ " فَإِذَا بَرِقَ البَصَرُآ . وَخَسَفَ القَمَرُآ . وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ " (القيامة:7‏-‏9) .‏
ويأتي العلم في قمة من قممه مؤكدا تباعد القمر عن الأرض بمعدل ثلاثة سنتيمترات في كل سنة مما يشير إلى حتمية دخوله في مجال جاذبية الشمس فتبتلعه‏ ،‏ وإن كان ذلك ـ كغيره من إرهاصات الآخرة سوف يتم بالأمر الإلهي‏ :‏ كن فيكون‏ ،‏ وليس بالسنن الدنيوية التي يبقيها لنا ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ لإثبات إمكان وقوع الآخرة ‏;‏ بل حتميتها‏ .‏
وبعد فراغي من الإجابة على سؤال السائل الكريم وقف بريطاني مسلم عرف نفسه باسم داود موسي بيدكوك‏ (DavidMusaPidcock)‏ وبمنصبه كرئيس للحزب الإسلامي البريطاني‏ ،‏ واستأذن في إمكان إضافة شيء إلى ما قلته في إجابتي فأذنت له بذلك فقال‏ :‏ إن هذه الآية كانت مدخلي لقبول الإسلام دينا‏ ،‏ فقد شغفت بعلم مقارنة الأديان‏ ،‏ وأهداني صديق مسلم نسخة من ترجمة معاني القرآن الكريم فأخذتها منه شاكرا وتوجهت بها إلى مسكني‏ ،‏ وعند تصفحها لأول مرة فوجئت بسورة القمر فقرأت‏ :‏ اقتربت الساعة وانشق القمر ثم توقفت متسائلا‏ :‏ كيف يمكن للقمر أن ينشق ثم يعود ليلتحم؟ وما هي القوة القادرة على إعادته إلى سيرته الأولي؟ فتوقفت عن القراءة وكأن هذه الآية الكريمة قد صدتني عن الاستمرار في ذلك‏ ...!!‏
ولكن لعلم الله‏ (تعالى‏)‏ بمدي إخلاصي في البحث عن الحقيقة أجلسني أمام التلفاز لأشاهد حوارا بين مذيع بريطاني يعمل بقناة التليفزيون البريطاني B.B.C واسمه جيمس بيرك‏ آ (JamesBurck)‏ وثلاثة من علماء الفضاء الأمريكيين‏ ،‏ وجري عتاب على الإسراف المخل في الإنفاق على رحلات الفضاء في الوقت الذي تتعرض جماعات بشرية عديدة لأخطار المجاعات‏ ،‏ والأمراض‏ ،‏ وانتشار الأمية بين البالغين‏ ،‏ ولمختلف صور التخلف العمراني والعلمي والتقني‏ .‏

ووقف علماء الفضاء مدافعين عن مهنتهم بأن الإنفاق على رحلات الفضاء ليس مالا مهدرا لأنه يعين على تطوير تقنيات تطبق في مختلف المجالات الطبية والصناعية والزراعية‏ ،‏ ويمكن أن تعود بمردودات مادية وعلمية كبيرة‏ ،‏ وفي غمرة هذا الحوار جاء ذكر رحلة إنزال رجل على سطح القمر على أنها كانت من أكثر هذه الرحلات كلفة فقد تكلفت عشرات المليارات من الدولارات‏ .‏ فسأل المحاور‏ :‏ هل كان كل ذلك لمجرد وضع العلم الأمريكي على سطح القمر؟ وجاءت الإجابة بالنفي‏ ،‏ وبأن الهدف كان دراسة علمية لأقرب أجرام السماء إلينا‏;‏ فسأل المحاور‏ :‏ ألم يكن من الأجدى إنفاق تلك المبالغ الطائلة على عمارة الأرض؟ وجاء الجواب بأن الرحلة أوصلتنا إلى حقيقة علمية لو أنفقنا أضعاف هذا المبلغ لإقناع الناس بها ما صدقنا أحد‏ ...!!‏
فسأل المحاور‏ :‏ وما هذه الحقيقة العلمية؟ فكان الجواب أن هذا القمر كان قد انشق في يوم من الأيام ثم التحم بدليل وجود تمزقات طويلة جدا وغائرة في جسم القمر‏ ،‏ تتراوح أعماقها بين عدة مئات من الأمتار وأكثر من الكيلو متر وأعراضها بين نصف الكيلو متر وخمسة كيلو مترات وتمتد إلى مئات من الكيلو مترات في خطوط مستقيمة أو متعرجة‏ .‏ وتمر هذه الشقوق الطولية الهائلة بالعديد من الحفر التي يزيد عمق الواحدة منها على تسعة كيلو مترات‏ ،‏ ويزيد قطرها على الألف كيلو متر‏ ،‏ ومن أمثلتها الحفرة العميقة المعروفة باسم بحر الشرق‏ (MareOrientalis) .
وقد فسرت هذه الحفر العميقة باصطدام أجرام سماوية بحجم الكويكبات‏آ
(ImpactofAsteroid-SizedObjects)‏ أما الشقوق التي تعرف باسم شقوق القمر‏
(RimaeorLunarRilles)‏ فقد فسرت على أنها شروخ ناتجة عن الشد الجانبي‏
(TensionalCracks)‏ أو متداخلات نارية على هيئة الجدد القاطعة‏ ،‏ ولكن أمثال هذه الأشكال على الأرض لا تصل إلى تلك الأعماق الغائرة‏ ،‏ ومن هنا فقد فسرت على أنها من آثار انشقاق القمر وإعادة التحامه‏ .‏

يقول السيد بيدكوك‏ :‏ حين سمعت هذا الكلام انتفضت من فوق الكرسي الذي كنت أجلس عليه أمام التلفاز‏ ،‏ وتساءلت‏ :‏ معجزة تحدث لمحمد‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ من قبل ألف وأربعمائة سنة يثبتها العلم في زمن التقنية الذي نعيشه بهذه البساطة‏ ،‏ وبهذا الوضوح الذي لا يخفي على عالم في مجال علم الفلك اليوم‏ ،‏ فلابد أن يكون القرآن حقا مطلقا وصادقا صدقا كاملا في كل خبر جاء به‏;‏ وعلى الفور عاودت القراءة في ترجمة معاني القرآن الكريم‏ ،‏ وكانت هذه الآية التي صدتني في بادئ الأمر عن الاستمرار في قراءة هذا الكتاب المجيد هي مدخلي لقبول الإسلام دينا‏ .‏

ولا أستطيع أن أصف لكم وقع هذه الكلمات‏ ،‏ ووقع النبرة الصادقة التي قيلت بها على كل الحضور من المسلمين وغير المسلمين فقد هزت القلوب والعقول‏ ،‏ وأثارت المشاعر والأفكار‏ ،‏ ولم أجد ما أقوله أبلغ من أن أردد قول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ " (فصلت:53).‏